الأخبارأخبار عربية

ما سر تصاعد التوحش الأمني وتعمد تصفية الشرطة للمصريين؟

تزايدت بشكل مخيف في الآونة الأخيرة عمليات التصفية الجسدية برصاص قوات الشرطة المصرية بحق مواطنين عاديين وغير مطلوبين في قضايا سياسية، رغم أن الشرطة تعد هيئة مدنية دورها المحافظة على النظام والأمن العام، وحماية الأرواح والأعراض والأموال، ومنع الجرائم وضبطها، وكفالة الطمأنينة والأمن للمواطنين.

وعجت مواقع التواصل الاجتماعي في الأيام الماضية بمقاطع مصورة تكشف عن حجم جرائم الأمن المصري في الشارع، ومن بينها إعلان السيدة المصرية “أسماء حمزة” عبر قتل الشرطة لزوجها “عبدالفتاح عواد” وشقيقها العريس “زياد” (19 عاما) أمام كوافير خاص بها، قائلة: “غربلوهم بضرب النار وصفوهم”، كاشفة عن مساومة ضباط الشرطة لها بالصمت على الجريمة مقابل تسليمها جثمانهما، مؤكدة أن الأمن انتزع الكاميرات من المنطقة لإخفاء الجريمة.

وكذلك شكوى أب وزوجة ابنه قبل أسبوع، من إطلاق مباحث المنوفية النار عشوائيا على عناصر إجرامية بمحافظة القليوبية، مما أدى إلى إصابة بعض الأهالي في حقول قرية ميت الحوفيين مركز بنها، ومقتل نجله (زوجها) الشاب محمد فتحي إبراهيم، بينما كان برفقته طفله (4 أعوام)، ليترك خلفه 3 أطفال، متهمين الداخلية بوضع سلاح آلي ومخدر الحشيش بجانب جثمانه للتغطية على الجريمة.

وبذات الطريقة وخلال تشرين الأول/أكتوبر الجاري، شهدت البلاد وقائع أمنية مؤسفة سقط خلالها عشرات المصريين برصاص الشرطة، خلال استهداف بؤر الاتجار بالأسلحة والمخدرات، وخاصة وأن بعضها تتم نهارا، في وجود الأهالي بالحقول والشوارع، وبينها واقعة كفر الحمام بمدينة الزقازيق، نهار السبت.

وشنت الأجهزة الأمنية بمحافظة الشرقية حملة بقرية كفر الحمام التابعة لمركز الزقازيق، أسفرت عن مقتل عنصر إجرامي واحد وإصابة 4 آخرين، وضبط متهم آخر، وإصابة مزارع تصادف مروره أثناء الاشتباك.

وفي منطقة القلج بمحافظة القليوبية، السبت، لقي 3 عناصر جنائية مصرعهم إثر تبادل لإطلاق النار مع قوات الأمن وفق بيان وزارة الداخلية؛ وذلك في واقعة سبقها الأربعاء الماضي، مقتل 3 عناصر جنائية بقرية بني هلال في مركز المراغة بسوهاج، إثر مداهمة وكر لتجارة المواد المخدرة والأسلحة، ليقول البيان الأمن أن تلك العناصر بادرت بإطلاق النار فور استشعار القوات.

والثلاثاء الماضي، أعلنت الداخلية مصرع 4 عناصر جنائية في مداهمات متزامنة بنطاق محافظات (سوهاج، وأسيوط، وأسوان)، فيما أشارت الأحد الماضي، لمقتل 8 عناصر جنائية في اشتباكات مسلحة مع الشرطة خلال استهداف بؤر متعددة لجلب وترويج المواد المخدرة، وذلك قبل قتل 4 أفراد بنطاق محافظتي الجيزة والدقهلية، في حملات مماثلة.

أسلوب الردع المتوحش

وحول سر تزايد عمليات التصفية الجسدية برصاص الشرطة بشكل مخيف بحق مواطنين في الآونة الأخيرة، وما إذا كان هدف النظام منها صناعة سياج من الخوف وفرض السطوة والسيطرة لمنع أي غضب محتمل، واحتمالات أن تزيد تلك الوقائع من غضبهم وتدفع بهم لانتفاضة شعبية وحراك ثوري، تحدث المحامي المصري بالنقض، ممدوح إسماعيل.

السياسي، والبرلماني المصري الأسبق، قال لـ”عربي21”: “بلا شك أن تلك الوقائع قد يكون لها تفاصيل خافية؛ لكن الشاهد أن النظام المصري نظام أمنى منذ انقلاب تموز/يوليو 2013، وهو يستخدم أسلوب الردع المتوحش كي يفرض وينشر الرعب في المساحة الأكبر من الواقعة ولكل من يسمع بالواقعة”.

وأكد أنه أسلوب إسرائيلي صهيوني استخدمته العصابات الصهيونية (هاغاناه) في عشرينيات القرن الماضي و(الإرجون) في الثلاثينيات و(شتيرن) في الأربعينيات ضد الفلسطينيين، وسار على طريقتها الاحتلال الإسرائيلي منذ أيار/مايو 1948، وما شاهدناه ونشاهده في قطاع غزة والضفة الغربية ضد المدنيين، هو أوضح دليل.

وبين أنه بالضبط هو ما يفعله النظام المصري بحق المصريين، منذ مذابح (الحرس الجمهوري)، و(المنصة)، و(رابعة)، و(النهضة)، و(سيدى جابر)، منتصف 2013، وغيرها، أو سواء بالاعتقالات التي تتوسع لتطال أبعد الأشخاص عن السياسة، أو أقارب المعارضين، أو عبر القضايا الملفقة، والأحكام المشددة، خارج نطاق أي قواعد من القانون، وذلك لتحقيق الردع المتوحش بنشر الرعب.

إسماعيل، خلص للقول إن ما يحدث مع عموم الشعب الآن؛ هو لأن النظام يفتقد مشروع نهضوي والشعب يضج من الغلاء، والفقر، ولا يوجد حل لدى النظام لتحقيق وضع اقتصادي مطمئن للفقراء فيلجأ لنشر الرعب، حتى لا ينفجر غضب الشعب؛ ولكنها طريقة تنجح لوقت ثم لا تبقى ولا النظام نفسه يبقى مع انفجار الغضب المكبوت من الظلم.

نتاج طبيعي لحالة الطمأنينة

من جانبه قال الناشط السياسي المصري الدكتور أحمد جاد: أرى أن هناك تخبط كبير داخل جهاز الشرطة؛ لأنه لو قامت ثورة فإن الشعب المصري لن ينسى لضباط وجنود الشرطة ما فعلوه مع الناس طيلة ١٤ سنة من تنكيل وتعذيب، بداية من مقتل بائع السمك المسيحي مجدي مكين بقسم شرطة الأميرية بالقاهرة تشرين الثاني/نوفمبر 2016.

وأضاف: وسجن الالاف وبينهم وزير التموين صاحب السمعة الطيبة الدكتور باسم عودة، وحتى الصيدلي عمرو هيكل، وزوجته الدكتور دينا عبدالرحمن المعتقلين في 2020، والذي توفي في تموز/يوليو الماضي، داخل محبسه نتيجة التعذيب.

وأوضح أن كل تلك الجرائم نتاج طبيعي لحالة الطمأنينة التي أرسلها إليهم السيسي عبر خطابه الشهير أمام جمع من ضباط الجيش والشرطة، 3 تشرين الأول/أكتوبر 2013، بأن (الضابط أحمد إن فقع عين أحد أو قتل أحدا فإنه لن يُحاكم، والمتظاهرين أدركوا ذلك)، هذا إلى جانب كل القبضة الأمنية الحديدية حتى ظنوا أنه لا يقدر عليه أحد.

واستدرك بقوله: لكن لا أظن أن تكون حالات القتل والتصفية المتتابعة مؤامرة داخل المؤسسة الشرطية بافتعال كل هذه الجرائم لقيام ثورة ضد النظام، فهذا أمر مستبعد، تماما لكنه الفجور والانتقام من الشعب الذي (ركب) الشارع في 25 كانون الثاني/يناير ٢٠١١، وفق تسريب لأحد ضباط الشرطة يوم (جمعة الغضب).

ولفت جاد، إلى جرائم أخرى شرطية تثير غضب المصريين وهي عمليات السطو الشرطي على أموال وذهب ومقتنيات المصريين خلال الحملات الأمنية واقتحام البيوت، وحمل كل ما خف وزنه وزاد ثمنه، بتعليمات من القيادات الشرطية والسياسية، وتقسيم الغنائم لاحقا.

تصريح السيسي بالقتل ومكافأة وزيره

وفي رصد حقوقي للأزمة قامت به المبادرة المصرية للحقوق الشخصية وفي 20 آب/أغسطس الماضي، أكدت أن وزارة الداخلية قامت بقتل وتصفية 573 مصريا بمحافظات الجمهورية في عام ونصف بداية مطلع 2025 وحتى منتصف 2026، وأن الوزارة وصفت أغلب القتلى بأنهم “عناصر إجرامية شديدة الخطورة”، وقالت إنهم قُتلوا بعدما بادروا بإطلاق النار على قوات الشرطة.

وهو الرقم الذي يشير إلى تصاعد حصيلة القتل خارج إطار القانون أو الإعدام خارج نطاق القضاء وفق وصف حقوقي، حيث شهد عام 2025 مقتل 404 شخصًا، فيما لم تفتح الوزارة، وفقًا لـ”المبادرة”، أي تحقيق بتلك الوقائع لتوضيح مدى ضرورة استخدام القوة القاتلة كملاذ أخير، وما إذا كان يمكن القبض على القتلى أحياء.

ووفق ضوابط محددة بينها إطلاق النار على الساقين؛ يسمح قانون هيئة الشرطة (رقم 109 لسنة 1971)، وتعديلاته، لقوات الأمن باستخدام السلاح، كحل أخير في مواجهة المتهمين، بغرض القبض على المتهم لا لقتله.

إلا أن رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، منح تلك القوات غطاء قانونيا لعمليات القتل تلك؛ بإقراره “قانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة 2015″، الذي تتيح “المادة 8” منه للأمن باستخدام القوة القاتلة دون مساءلة جنائية، وذلك لأداء واجبهم أو لحماية أنفسهم من الخطر.

ووفق “المبادرة” المنظمة الحقوقية المصرية فإن هذا النص لا يمكن اللجوء إليه في الغالبية العظمى من حالات القتل التي أعلنت عنها وزارة الداخلية بداية من كانون الثاني/يناير 2025 وحتى حزيران/يونيو 2026، والتي لم تكن مرتبطة بجرائم إرهابية.

وخلصت المنظمة للقول إن الوزارة تبنت سياسة قتل المطلوبين للعدالة بدلًا من عرضهم على النيابة منذ أكثر من عقد كامل، وذلك بعدما أعلن وزير الداخلية الأسبق، اللواء محمد إبراهيم عام 2012 أنه (سوف يكافئ كل ضابط يقوم بإطلاق النار على بلطجي ويقتله، إذا كان البلطجي بادر بإطلاق النيران).

التصفية تعذيبا بمقرات الاحتجاز

وإلى جانب حالات قتل وتصفية وزارة الداخلية من تطلق عليهم لقب “عناصر إجرامية خطرة” أو “مسجلين خطر”؛ رصدت تقارير لـ”المفوضية المصرية للحقوق والحريات”، و”الجبهة المصرية لحقوق الإنسان”، ومركز “الشهاب لحقوق الإنسان”، وغيرهم حالات وفاة لمحتجزين على ذمة قضايا جنائية داخل أقسام الشرطة ومراكز الاحتجاز نتيجة تعرضهم للتعذيب على يد أفراد الأمن أو التصفية عمدا.

وبينما كانت وقائع القتل والتصفية الجسدية تجري بحق المعارضين السياسيين وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين منذ الانقلاب العسكري منتصف 2013، ارتكزت وقائع قتل الشرطة للمتهمين أو المطلوبين أمنياً العام الجاري على الجنائيين داخل أقسام الشرطة وأماكن الاحتجاز، إضافة إلى حملات المداهمة الأمنية.

ومن تلك الوقائع، وفي شهر شباط/فبراير الماضي، وفاة المصري محمود رجب أحمد، أثناء احتجازه بمركز شرطة أوسيم بالجيزة مع وجود آثار تعذيب وصعق بالكهرباء بجثمانه.

ووفاة المحاسب بـ”مصنع ٩٩ الحربي بحلوان”، عمرو جميل، (38 عاما) بعد ساعات من القبض عليه بقسم شرطة “١٥ مايو” بالقاهرة.

ومقتل المواطن على محمود (39 عاما)، بقسم شرطة العجوزة بالجيزة، بعد القبض عليه بأسبوع، وسط شواهد وأدلة بتعرضه لتعذيب ممنهج وفق تقرير مستشفى إمبابة العام.

وفي هذا السياق تؤكد تقارير هيومان رايتس ووتش، على وقوع جرائم قتل بعض المحتجزين المصريين واصفة إياه بأنها: “إعدامات غير قانونية”، مشيرة لقتل وزارة الداخلية في 10 أبريل/نيسان 2025، يوسف السرحاني وفرج الفزاري، بعد ساعات من اعتقالهما بمحافظة مرسى مطروح شمال غرب مصر، رغم أنهما سلّما نفسيهما للشرطة قبل ساعات من مقتلهما وكانا محتجزين لدى الشرطة وقت وفاتهما.

ويطالب حقوقيون النيابة العامة والجهات القضائية بفتح تحقيقات شفافة ومستقلة في هذه الوقائع، وندب أطباء شرعيين محايدين لتحديد أسباب الوفاة والمسافة التي أُطلقت منها النيران، لمحاسبة المسؤولين ومنع إفلاتهم من العقاب.

وتتزامن عمليات التصفية تلك بحق مصريين، مع حراك واسع في السجون المصرية يقوده المعتقلون السياسيون للمطالبة بإخلاء سبيلهم ووقف الانتهاكات التي يرتكبها أمن السجون بحقهم وبحق ذويهم، في موجة شهدت ذروتها العديد من السجون أيام 7 و8 و9 من الشهر الجاري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى