هل يعيش الغرب نهايته التاريخية؟ قراءة في كتاب

ليس من السهل قراءة إيمانويل تود بوصفه مؤرخاً عادياً، أو وضعه في خانة المفكرين الذين يكتفون بتفسير الأحداث السياسية بعد وقوعها. فمنذ عقود، يحاول هذا المؤرخ وعالم الديمغرافيا والأنثروبولوجيا الفرنسي أن يقرأ التاريخ من زاوية مختلفة، تنطلق من البنى العميقة للمجتمعات، ومن تحولات الأسرة والدين والتعليم والسكان والاقتصاد، وصولاً إلى تفسير صعود الدول وانهيار الإمبراطوريات وتغير موازين القوة العالمية.
ولعل ما يمنح كتابه الجديد “التفكك” (La Dislocation)، الصادر عن دار غاليمار الفرنسية، أهمية فكرية خاصة، أنه يأتي في لحظة تتكاثر فيها مؤشرات اضطراب النظام الدولي، وتتراجع فيها قدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها بالسهولة التي اعتادتها، فيما تتقدم قوى دولية أخرى، وتتعرض المجتمعات الغربية لانقسامات داخلية عميقة.
لا يقدم تود في هذا العمل مجرد تحديث لأطروحته السابقة في كتاب “هزيمة الغرب” الصادر عام 2024، بل ينتقل إلى مستوى آخر من التشخيص؛ فالهزيمة، كما يراها، لم تعد المسألة المركزية، بعدما باتت الأزمة تتجاوز المواجهة مع القوى المنافسة إلى تفكك المكونات الداخلية للعالم الغربي نفسه.
ومن هنا يأتي السؤال الذي يحكم الكتاب: ماذا يحدث عندما تفقد القوة العظمى قدرتها على فهم ذاتها، وعلى إنتاج التماسك داخل مجتمعاتها، وعلى تحويل تفوقها المادي والعسكري إلى مشروع سياسي وحضاري مقنع؟
من هزيمة الغرب إلى تفككه
في كتابه السابق “هزيمة الغرب”، بنى تود أطروحته على أن الحرب في أوكرانيا كشفت عن أزمة عميقة في القوة الغربية، لا تتعلق فقط بالتعثر العسكري أو صمود روسيا أمام العقوبات، وإنما تكشف عن اختلالات اقتصادية وصناعية وديمغرافية وأخلاقية تراكمت داخل الولايات المتحدة وأوروبا.
كان السؤال آنذاك يتعلق بقدرة الغرب على الاستمرار في قيادة العالم، في ظل صعود روسيا والصين وتنامي استقلالية دول الجنوب العالمي، التي لم تعد تنظر بالضرورة إلى الصراع الدولي من المنظور الذي تريده واشنطن والعواصم الأوروبية.
إن الانتقال من “الهزيمة” إلى “التفكك” ليس مجرد تحول لغوي في عنوان الكتاب، بل يعكس تغييراً في زاوية النظر. فالهزيمة تفترض وجود خصم ينتصر في مواجهة طرف آخر، أما التفكك فيعني أن أسباب الانهيار قد تكون كامنة في البنية الداخلية للمنظومة نفسها، وأن الخصوم الخارجيين لا يفعلون سوى كشف هشاشتها وتسريع ظهور تناقضاتها.
وهنا تبرز إحدى أهم أفكار تود: لا يمكن فهم التحولات الدولية من خلال متابعة تحركات الرؤساء والجيوش والتحالفات وحدها، بل ينبغي العودة إلى المجتمع الذي ينتج هذه السياسات، وإلى بنيته التعليمية والاقتصادية والديمغرافية والثقافية.
الأسرة والدين.. مفاتيح لفهم التاريخ
تقوم واحدة من أهم ركائز المشروع الفكري لإيمانويل تود على الاعتقاد بأن البنى العائلية ليست مجرد ترتيبات اجتماعية خاصة بالحياة المنزلية، وإنما تحمل أثراً عميقاً في تشكيل القيم السياسية والدينية والثقافية للمجتمعات.
فأنماط الأسرة، بحسب مقاربته الأنثروبولوجية، تترك بصماتها على علاقة الفرد بالسلطة، وعلى تصورات المساواة والتراتبية، وعلى طبيعة الروابط الاجتماعية، وعلى الطريقة التي تتشكل بها الأفكار السياسية والدينية.
ولذلك لا ينظر تود إلى المجتمعات باعتبارها كيانات سياسية منفصلة عن تاريخها الاجتماعي، بل يحاول الوصول إلى ما يسميه التاريخ العميق، حيث تتفاعل أنماط القرابة والتنشئة والمعتقدات مع التحولات الاقتصادية والسياسية.
وتتصل بهذه المقاربة قراءته للتحولات الدينية في الغرب. فالمجتمعات الأوروبية، في نظره، لم تتخلص من أثر المسيحية بمجرد تراجع الممارسة الدينية أو انحسار المؤسسات الكنسية، لأن الدين ترك وراءه منظومة من القيم والتصورات التي أسهمت في بناء المجتمعات الحديثة.
لكن تراجع الدين، وانهيار المرجعيات المشتركة، قد يؤديان إلى فراغ قيمي لا تملؤه بالضرورة المؤسسات الديمقراطية أو السوق أو الفردانية. وهنا يستخدم تود مفهوم “العدمية” لوصف حالة يرى أنها أخذت تتقدم في المجتمعات الغربية، حيث تتراجع القدرة على إنتاج المعنى المشترك، وتتآكل الثقة بالمؤسسات، ويصبح الهدم أسهل من البناء.
وهذه إحدى أكثر نقاط الكتاب إثارة للنقاش؛ إذ يربط المؤلف بين التحولات الدينية والاجتماعية وبين اتجاهات السياسة الخارجية، محاولاً تفسير ما يراه انتقالاً من الغرب المنتج للقيم والمؤسسات إلى غرب يتصرف بصورة أكثر اضطراباً وتدميراً.
غير أن هذه المقاربة، على أهميتها، تثير سؤالاً منهجياً مشروعاً: إلى أي مدى يمكن رد التحولات السياسية والاقتصادية المعقدة إلى البنى العائلية والدينية؟ وهل تكفي الأنثروبولوجيا وحدها لتفسير الأزمات، من دون إعطاء وزن أكبر للصراع الطبقي، وتوزيع الثروة، ومصالح النخب الاقتصادية، وتاريخ الاستعمار، وبنية النظام الرأسمالي؟
إن قوة منهج تود تكمن في توسيع مجال التفسير، لكن خطورته المحتملة تكمن في تحويل بعض العلاقات الاجتماعية والثقافية إلى مفاتيح شاملة تفسر كل شيء.
أمريكا.. القوة التي تواجه أزمة ذاتها
تحتل الولايات المتحدة موقعاً مركزياً في تشخيص تود، ليس فقط لأنها القوة التي قادت النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، وإنما لأنها تمثل، في تصوره، النموذج الأكثر وضوحاً للتناقض بين القوة الخارجية والأزمة الداخلية.
وفي قراءته لمرحلة دونالد ترامب، لا يتعامل تود مع الرئيس الأمريكي باعتباره ظاهرة شخصية أو استثناءً سياسياً منفصلاً عن سياق المجتمع الأمريكي، بل يراه تعبيراً عن أزمة أعمق في النظام السياسي والاجتماعي الأمريكي.
فالاضطراب في الخطاب السياسي، والتناقض في إدارة العلاقات الدولية، وتصاعد النزعات القومية، والصراع الداخلي حول هوية الدولة ومستقبلها، كلها مؤشرات يستند إليها في تشخيص حالة التفكك.
لكن أهمية هذه القراءة لا تكمن في الحكم على ترامب وحده، وإنما في مساءلة طبيعة النظام الذي سمح بظهور هذه الظاهرة، وفي البحث عن الأسباب التي جعلت القوة الأمريكية تبدو أحياناً عاجزة عن تحويل تفوقها إلى استراتيجية مستقرة.
وهنا يطرح تود سؤالاً يتجاوز الانتخابات والإدارات المتعاقبة: هل تستطيع الولايات المتحدة الاحتفاظ بقيادة العالم في الوقت الذي تتراجع فيه قدرتها على إنتاج التوافق داخل مجتمعها؟
أوروبا.. التبعية التي تخفي أزمة الاستقلال
لا يقل تشخيص تود لأوروبا حدة عن تشخيصه للولايات المتحدة. فهو يرى أن القارة التي كانت مركزاً لإنتاج الأفكار السياسية والفلسفية والعلمية، وأحد أعمدة النظام الدولي الحديث، باتت تعاني من أزمة استقلال استراتيجي، ومن تراجع قدرتها على صياغة مشروع خاص بها.
وتبدو ألمانيا وفرنسا في قلب هذا التشخيص، باعتبارهما دولتين كانتا تمثلان ثقلاً اقتصادياً وسياسياً أساسياً في أوروبا.
واشنطن ما زالت تمتلك ترسانة عسكرية هائلة، وشبكة واسعة من التحالفات، وقدرة كبيرة على التأثير في الاقتصاد العالمي والنظام المالي الدولي، لكنها تواجه في الوقت نفسه انقسامات اجتماعية وسياسية عميقة، وتراجعاً في الثقة بالمؤسسات، وتناقضات بين طموحاتها الاستراتيجية وقدراتها الاقتصادية والصناعية.فألمانيا، التي بنت قوتها الحديثة على الصناعة والتصدير والتكامل الاقتصادي، تواجه تحديات تتعلق بنموذجها الصناعي وعلاقاتها الاقتصادية الدولية، فيما تجد فرنسا نفسها أمام أزمات سياسية واجتماعية متلاحقة، وتراجع في قدرتها على إنتاج توافق وطني مستقر.
أما على المستوى الجيوسياسي، فيثير تود مسألة التبعية الأوروبية للقرار الأمريكي، ولا سيما في التعامل مع الحرب الأوكرانية وروسيا. فبدلاً من أن تتحول الأزمة إلى فرصة لإعادة تعريف المصالح الأوروبية المستقلة، يرى أن القارة أصبحت أكثر ارتباطاً باستراتيجية المواجهة الأمريكية، حتى عندما تتعارض كلفتها الاقتصادية والسياسية مع مصالح مجتمعاتها.
وهذه من أكثر أطروحات الكتاب أهمية بالنسبة إلى القارئ العربي؛ لأنها تفتح الباب أمام سؤال استقلال القرار السياسي الأوروبي، وحدود قدرة أوروبا على الانتقال من موقع الشريك في قيادة النظام الدولي إلى موقع التابع لاستراتيجية قوة أخرى.
لكن اختزال أوروبا في التبعية لا يخلو من مجازفة تفسيرية، فالقارة ليست كتلة سياسية متجانسة، كما أن اختلاف المصالح بين دولها، وتباين مواقفها من روسيا والولايات المتحدة والصين، يعقد الصورة التي يقدمها تود أحياناً.
روسيا والصين وإيران.. العالم الذي لم يعد يقبل الوصاية الغربية
في مقابل الأزمة الغربية، يلفت تود إلى التحولات التي شهدتها قوى دولية باتت أكثر قدرة على تحدي النظام الذي تقوده الولايات المتحدة.
أما إيران، فتظهر ضمن القوى التي تتحدى النظام الأمريكي، وتكشف حدود قدرة واشنطن على فرض إرادتها على الدول التي ترفض الانضواء تحت مظلتها الاستراتيجية.
ويجمع تود بين هذه الدول من زاوية قدرتها على الاستثمار في عناصر القوة المادية، ولا سيما الإنتاج الصناعي والتكوين العلمي والتكنولوجي، في مقابل ما يراه تراجعاً غربياً في هذه المجالات.
غير أن القراءة النقدية تقتضي التمييز بين تراجع الهيمنة الغربية وصعود نموذج بديل مكتمل. فامتلاك القدرة الصناعية أو العسكرية لا يعني بالضرورة امتلاك مشروع سياسي أكثر عدالة أو نظام اجتماعي أكثر حرية. كما أن التحدي الذي تمثله هذه القوى للغرب لا يلغي طبيعة أنظمتها السياسية، ولا التناقضات الداخلية التي تواجهها.
وهنا ينبغي ألا يتحول نقد الهيمنة الأمريكية إلى إعفاء القوى المنافسة من المساءلة، أو إلى استبدال مركزية غربية بمركزية أخرى.
إن تعددية النظام الدولي لا تعني بالضرورة تعددية عادلة، كما أن تراجع قدرة قوة عظمى على فرض إرادتها لا يضمن تلقائياً قيام نظام عالمي أكثر إنصافاً.
الجنوب العالمي.. نهاية احتكار الغرب لتفسير العالم
من بين التحولات التي تستحق التوقف عندها في قراءة تود، مسألة اتساع المسافة بين الغرب وبقية العالم، ولا سيما الدول التي لم تعد ترى نفسها ملزمة بالاصطفاف خلف واشنطن أو العواصم الأوروبية في كل صراع دولي.
لقد كشفت الحرب الأوكرانية أن عدداً كبيراً من دول آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية لا يتعامل مع المواقف الغربية باعتبارها مرجعية عالمية ملزمة، وأن حسابات المصالح والسيادة والذاكرة الاستعمارية تلعب دوراً أساسياً في تحديد مواقفها.
وهذا التحول لا يتعلق فقط برفض العقوبات أو الامتناع عن الانضمام إلى التحالفات الغربية، وإنما يعكس تغيراً أعمق في علاقة العالم بمراكز القوة التقليدية.
فالدول التي كانت تُعامل طويلاً باعتبارها أطرافاً في نظام دولي تصنعه القوى الكبرى، باتت تطالب بمساحة أكبر من الاستقلال في تحديد مصالحها وعلاقاتها الدولية.
وهنا يلتقي تشخيص تود مع نقاش فكري أوسع حول نهاية احتكار الغرب للمعرفة والشرعية السياسية، وحول صعود عالم متعدد المراكز، لم تعد فيه أوروبا والولايات المتحدة قادرتين على تقديم نفسيهما بوصفهما الممثل الوحيد للقيم الكونية أو المرجعية النهائية لتفسير الأزمات الدولية.
إسرائيل وإيران.. اختبار جديد لمعادلات القوة
يكتسب حضور إسرائيل وإيران في الكتاب أهمية خاصة، بالنظر إلى التحولات التي شهدها الشرق الأوسط، وتراجع القدرة الأمريكية على إدارة التوازنات الإقليمية بالوسائل التقليدية.
فإسرائيل، باعتبارها حليفاً استراتيجياً مركزياً للولايات المتحدة، أصبحت جزءاً من اختبار أوسع لحدود القوة الأمريكية، ولقدرتها على حماية نظام إقليمي يستند إلى التفوق العسكري الإسرائيلي والدعم الغربي.
تحضر روسيا في الكتاب بوصفها قوة تمكنت، وفق قراءة المؤلف، من استيعاب جانب كبير من الضغوط الاقتصادية والعسكرية الغربية، فيما تكشف الصين عن نموذج مختلف في إدارة الدولة والاقتصاد، يستند إلى الاستثمار في التعليم والعلوم والهندسة والصناعة والتخطيط طويل الأمد.أما إيران، فتحتل موقعاً متقدماً في تحليل التحدي الذي تواجهه واشنطن، خصوصاً مع انتقال المواجهة من نطاق العقوبات والضغوط الدبلوماسية إلى مستويات أكثر اتساعاً من الصراع الإقليمي والدولي.
ومن منظور عربي، تكتسب هذه المسألة أهمية تتجاوز التنافس الأمريكي الإيراني، لأنها تضع المنطقة أمام سؤال العلاقة بين استقلال القرار السياسي، والهيمنة الخارجية، وموازين القوة، ومستقبل القضية الفلسطينية.
لكن لا ينبغي التعامل مع قراءة تود بوصفها حكماً نهائياً على طبيعة الصراع أو على مستقبل المنطقة؛ فالتاريخ لا يتحرك وفق معادلة واحدة، كما أن القوى الإقليمية ليست مجرد أدوات في صراع القوى الكبرى، وإنما تمتلك مصالحها وتناقضاتها وحساباتها الخاصة.
قيمة الكتاب.. حين يكشف المفكر طريقة تفكيره
من الخصائص اللافتة في “التفكك” أنه ليس دراسة تقليدية مغلقة، وإنما حوارات أجراها تود مع الصحفية ديان لاغرانج على امتداد عام، وناقش خلالها التحولات السياسية في الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وروسيا والصين واليابان وإسرائيل وإيران.
وهذا الاختيار في البناء يمنح الكتاب طابعاً مختلفاً عن أعمال المؤلف السابقة؛ إذ لا يقدم تود دائماً استنتاجات نهائية مصاغة بعد اكتمال البحث، وإنما يتيح للقارئ متابعة تفكيره وهو يشتبك مع الأحداث، ويطرح الفرضيات، ويعيد النظر في بعض أحكامه، ويقر بإمكان الخطأ.
ولعل هذه إحدى نقاط القوة الأساسية في الكتاب، لكنها في الوقت نفسه أحد مصادر إشكاليته. فالتفكير في التاريخ أثناء وقوع الأحداث يمنح التحليل حيوية وقدرة على التقاط التحولات، لكنه يجعله أكثر عرضة للتسرع، ولتأثير الانطباعات السياسية، ولإصدار أحكام قد لا تصمد أمام اختبار الزمن.
وقد أقر تود نفسه بأن الحوار يفتح مجالاً أوسع للتكهن والافتراض، وأن الكتاب يمثل تجربة مختلفة عن التحليل التاريخي الكلاسيكي.
ومن هنا ينبغي أن يقرأ العمل باعتباره مختبراً للتفكير في العالم، لا باعتباره تقريراً نهائياً عن مصير البشرية أو وثيقة تنبؤية لا تقبل المراجعة.
نقد تود.. بين شجاعة السؤال ومخاطر التعميم
لا يمكن تقديم إيمانويل تود من دون التوقف عند الجدل الذي يحيط بأطروحاته. فهو من المفكرين الذين لا يترددون في مخالفة السائد، وقد أثارت قراءته للحرب الأوكرانية وللقدرة الروسية على الصمود انتقادات واسعة، وصلت إلى اتهامه بتبني روايات قريبة من الموقف الروسي.
لكن الإنصاف الفكري يقتضي ألا تتحول هذه الخلافات إلى وسيلة لإلغاء أسئلته أو تجاهل ما يطرحه من تحديات حقيقية أمام الخطاب الغربي.
في المقابل، لا ينبغي أن تتحول الجرأة على مخالفة الإجماع إلى حصانة من النقد. فالتشكيك في السرديات الغربية لا يعني أن كل استنتاج مضاد لها صحيح، كما أن نقد ازدواجية المعايير لا يعفي الباحث من ضرورة الالتزام الصارم بالوقائع والأدلة.
وتتمثل إحدى نقاط الضعف المحتملة في مشروع تود في ميله أحياناً إلى بناء استنتاجات واسعة انطلاقاً من مؤشرات اجتماعية أو ديمغرافية، ثم ربطها بتحولات جيوسياسية شديدة التعقيد. فالعلاقة بين الدين والسياسة، أو بين الأسرة والدولة، ليست دائماً علاقة خطية يمكن اختزالها في تفسير واحد.
كما أن استخدام مفهوم “العدمية” لتفسير سلوك الغرب يحتاج إلى مزيد من التفكيك؛ إذ قد يختلط في هذا المفهوم النقد الأخلاقي للسياسات الغربية بالتفسير الاقتصادي والاجتماعي لأزماتها.
ومع ذلك، فإن قيمة الكتاب لا تتوقف على التسليم بكل أطروحات صاحبه، وإنما في قدرته على دفع القارئ إلى مراجعة المسلمات، والتفكير في التاريخ خارج القوالب الجاهزة، وعدم التعامل مع التفوق الغربي باعتباره قانوناً أبدياً يحكم العالم.
لماذا يهم هذا الكتاب القارئ العربي؟
لعل السؤال الأكثر أهمية بالنسبة إلى القارئ العربي هو: ماذا يعني أن يتفكك الغرب بالنسبة إلى عالم عربي عاش طويلاً تحت تأثير موازين القوة التي أنتجها النظام الدولي الغربي؟
لقد تشكل جانب كبير من الواقع السياسي العربي الحديث في ظل الهيمنة الغربية، من خرائط الدولة الوطنية إلى منظومات الأمن والتحالفات العسكرية، ومن التبعية الاقتصادية إلى أنماط التعامل مع القضية الفلسطينية.
وكانت الولايات المتحدة وأوروبا، بدرجات متفاوتة، صاحبتَي التأثير الأكبر في تحديد مسارات العديد من الملفات الإقليمية، فيما بقيت المجتمعات العربية في كثير من الأحيان خارج دائرة صناعة القرارات التي تمس مستقبلها.
ومن هنا فإن تراجع الهيمنة الغربية، إذا استمر واتخذ شكلاً بنيوياً، قد يفتح المجال أمام إعادة التفكير في موقع العالم العربي داخل النظام الدولي، وفي إمكان بناء علاقات أكثر استقلالاً وتوازناً مع القوى الصاعدة.
لكن ذلك لا يحدث تلقائياً. فتراجع مركز القوة لا يمنح الأطراف قدرة على الاستقلال ما لم تكن تمتلك مشروعاً سياسياً واقتصادياً وعلمياً خاصاً بها.
وهنا تكمن المفارقة التي ينبغي أن يتنبه إليها القارئ العربي: يمكن للعالم أن يتغير، وأن تتراجع قوة واشنطن، وأن تتعدد مراكز النفوذ، من دون أن يتغير موقع العرب في معادلة القوة إذا استمر العجز عن بناء المؤسسات المنتجة، وتطوير التعليم والبحث العلمي، وتحقيق التكامل الاقتصادي، وتحرير القرار السياسي من التبعية.
وبالنسبة إلى فلسطين تحديداً، فإن تراجع احتكار الغرب للقرار الدولي ولتفسير الصراعات يفتح مجالاً أوسع لمساءلة الرواية الإسرائيلية، وكشف التناقض بين الخطاب الغربي عن حقوق الإنسان وممارساته في المنطقة. لكنه لا يضمن وحده إنهاء الاحتلال أو تحقيق الحقوق الفلسطينية، ما لم يتحول التغير الدولي إلى قوة سياسية وقانونية وشعبية قادرة على التأثير.
العالم يتغير.. لكن من يملك القدرة على صناعة المستقبل؟
إن القيمة الكبرى في مشروع إيمانويل تود أنه يحاول تحرير قراءة التاريخ من وهم الاستقرار الدائم للقوى الكبرى. فالإمبراطوريات لا تسقط بالضرورة عندما يهزمها خصومها في معركة عسكرية، وإنما قد تبدأ نهاياتها عندما تفقد قدرتها على إنتاج شروط استمرارها، وعندما تصبح مؤسساتها عاجزة عن معالجة تناقضاتها، وعندما تنفصل طموحاتها الخارجية عن إمكاناتها الداخلية.
لكن السؤال الذي يظل مفتوحاً بعد قراءة “التفكك” ليس فقط ما إذا كان الغرب يتجه نحو أزمة تاريخية، وإنما ما الذي سيأتي بعد هذه الأزمة؟ وهل يستطيع العالم بناء نظام دولي أكثر عدالة وتوازناً، أم أن ما نشهده ليس سوى انتقال من هيمنة إلى أخرى، ومن مركز قوة إلى مركز جديد؟
بالنسبة إلى العرب، ربما تكون الرسالة الأهم أن انتظار انهيار الغرب أو تراجع الولايات المتحدة لا يمثل استراتيجية تاريخية، وأن التحولات الدولية لا تصنع مستقبلاً أفضل للشعوب التي لا تمتلك أدوات المشاركة في صناعته.
فالعالم لا يمنح مكانة دائمة لأحد، والقوى التي تتراجع اليوم قد تستعيد حضورها، والقوى الصاعدة قد تواجه بدورها تناقضاتها وأزماتها.
وإذا كان تود يضع الغرب أمام مرآة تفككه، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه القارئ العربي على نفسه هو: هل نحن مستعدون لعالم لا تكون فيه الهيمنة الغربية حقيقة مطلقة، أم أننا سنظل نستهلك تحولات الآخرين، من دون أن نمتلك مشروعاً يضعنا في قلب التاريخ؟
ذلك أن نهاية احتكار الغرب للعالم، إن تحققت، لا تعني بالضرورة بداية عصر عربي جديد؛ فالمستقبل لا يُمنح للمتفرجين على سقوط القوى الكبرى، وإنما تصنعه المجتمعات التي تمتلك المعرفة والإرادة والمؤسسات والقدرة على تحويل لحظات التحول التاريخي إلى فرص حقيقية.



