الأخبارأخبار عالمية

بعد 35 عاما على إنشائها.. الأمم المتحدة تبدأ تصفية بعثتها في الصحراء

في تطور مفصلي ينهي وجودا أمميا استمر لنحو ثلاثة عقود ونصف، بدأت بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء “مينورسو”، الاثنين رسميا إجراءات تصفية عملياتها وإغلاق مقراتها، عقب إخفاق مجلس الأمن الدولي في تجديد ولايتها التي انتهت في 31 تشرين أول/أكتوبر المنصرم.

ويأتي هذا التحول في مسار النزاع بالصحراء الغربية بعد شلل تسببت فيه انقسامات حادة بين الدول الكبرى داخل مجلس الأمن، أسفر عن إسقاط مشروعي قرارين أمريكي وروسي يوم الجمعة الماضي.

وقد كان مجلس الأمن قد مدد ولاية البعثة في 31 تشرين أول/أكتوبر 2025 بموجب القرار رقم 2797 حتى نهاية الشهر ذاته من عام 2026، لكن الفشل الراهن أنهى رسميا أي تفويض قانوني لبقائها.

مواجهة في مجلس الأمن

وعقد مجلس الأمن يوم الجمعة الماضي جلسة لمناقشة تمديد تفويض البعثة الأممية، حيث شهدت الجلسة تقديم مشروعين متضادين الأول مشروع تقدمت به الولايات المتحدة، ونص على تمديد ولاية البعثة لعام إضافي حتى 31 أكتوبر 2027، مع تعديل جوهري في اسمها ليصبح “بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية مينورسو بدل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية”.

وحظي المشروع بتأييد 11 عضوا، غير أن استخدام روسيا لحق النقض “الفيتو” حال دون اعتماده، فيما امتنعت 3 دول عن التصويت.

أما المشروع الثاني فتقدمت به روسيا وسعى إلى تمديد تفويض البعثة لعام كامل بنفس اسمها الحالي ودون أي تعديلات.

غير أن المشروع الروسي سقط بدوره لعدم حصوله على الأغلبية المطلوبة 9 أصوات، بعدما أيدته 3 دول فقط، وعارضته الولايات المتحدة، واكتفت 11 دولة بالامتناع عن التصويت.

بدء مرحلة التصفية

في بيان صحفي أصدره المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، أعرب الأمين العام أنطونيو غوتيريش عن امتنانه العميق لأفراد البعثة، وعلى رأسهم الممثل الخاص للصحراء ألكسندر إيفانكو الذي أدار العمليات في مرحلة أعقبت عودة التوتر عام 2020.

وأكد البيان أن الأول من تشرين ثاني/نوفمبر 2026 يمثل بداية “فترة التصفية”، حيث يتولى فريق مصغر يتبع لإدارة الأمم المتحدة لدعم العمليات الإشراف على الإغلاق المنظم لمواقع الفرق، والتصرف في أرصدة البعثة ومعداتها، وضمان الترتيبات للمغادرة وحفظ الأرشيف والسجلات.

وقال المتحدث الأممي: أنشئت بعثة المينورسو لحماية شعب الصحراء الغربية وخدمته وخاصة للسماح له بإعمال حقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير.

وشدد على أن مغادرة المينورسو لا تلغي هذه الحقوق غير القابلة للتصرف، ويدعو جميع الأطراف إلى احترام وتعزيز حقوق شعب الصحراء الغربية.

وذكر البيان أن الأمين العام لا يزال يشعر بالقلق بشأن الوضع الأمني بأنحاء المنطقة وخطر تصاعد الأعمال العدائية.

ودعا جميع المعنيين إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس والامتناع عن الأعمال التي قد تفاقم التوترات أو تقوض الاستقرار الإقليمي.

وجدد أنطونيو غوتيريش التأكيد على التزام الأمم المتحدة بدعم الأطراف للتوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول يكفل حق شعب الصحراء الغربية في تقرير المصير.

وذكر البيان أن الأمين العام لا يزال يشعر بالقلق بشأن الوضع الأمني بأنحاء المنطقة وخطر تصاعد الأعمال العدائية.

ودعا جميع المعنيين إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس والامتناع عن الأعمال التي قد تفاقم التوترات أو تقوض الاستقرار الإقليمي.

وجدد أنطونيو غوتيريش التأكيد على التزام الأمم المتحدة بدعم الأطراف للتوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول يكفل حق شعب الصحراء في تقرير المصير.

كيف استقبلت الجزائر والمغرب والبوليساريو القرار؟

أحدث القرار أصداء واسعة واستقطابا في القراءات بين الرباط والجزائر جبهة البوليساريو، يعكس عمق الخلاف حول مستقبل المنطقة.

وفي هذا السياق اعتبر المغرب عدم تمديد مجلس الأمن لولاية “المينورسو” تطورا هاما وخطوة ذات دلالة نحو الطي النهائي للنزاع.

ونقل الديوان الملكي المغربي أن انتهاء مهام البعثة يعكس واقعية الطرح المغربي، مشيرا إلى أن وجود البعثة الأممية ينبغي أن ينتهي خلال الأيام القليلة المقبلة.

وكان المغرب قد طرح عام 2007 مبادرة للحكم الذاتي الموسع تحت سيادته، وهو المخطط الذي حظي بتأييد أمريكي متزايد في قرارات سابقة للمجلس.

في المقابل، أعربت وزارة الخارجية الجزائرية عن بالغ أسفها لإخفاق مجلس الأمن، منتقدة بشدة مشروع القرار الأمريكي ومحملة إياه مسؤولية التعطيل.

وقالت الخارجية الجزائرية إن مشروع القرار الذي قدمته واشنطن مال بصورة مفرطة لصالح المغرب على حساب جبهة البوليساريو، ما أفقده مقومات الأساس الجدي للتوصل إلى تسوية للنزاع في الصحراء الغربية.

وأضافت أن وزير الشؤون الخارجية أحمد عطاف كان قد وجه، قبل التصويت على مشروع القرار، رسائل رسمية إلى أعضاء مجلس الأمن، حذرهم فيها من تداعيات التطورات التي شهدتها طريقة التعاطي مع النزاع، ومن مخاطر تكريس أمر واقع بالإقليم وإضفاء الشرعية على وضع قائم على الاحتلال، على حساب حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.

وانتقدت الجزائر اعتماد مخطط الحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب، في ظل ما وصفته بـ”سيادته المزعومة” على إقليم الصحراء، أساسا وحيدا للمفاوضات، معتبرة أن ذلك يضيق نطاق الخيارات المتاحة للطرفين ويستبق نتائج المسار السياسي.

وأشارت الخارجية الجزائرية إلى أن مشروع القرار حرم جبهة البوليساريو، التي وصفتها بالممثل الشرعي والوحيد للشعب الصحراوي”، من “إمكانية طرح تصوراتها وأفكارها بشأن التوصل إلى حل عادل ودائم للنزاع ضمن مسار المفاوضات.

وحذرت من أن المشروع يمهد لتحويل طبيعة النزاع من قضية تصفية استعمار إلى إشكالية ذات طابع إنساني بالأساس.

أما جبهة البوليساريو فقد أكدت التزامها بالتعاون مع الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي من أجل التوصل إلى حل عادل ودائم ونهائي في الصحراء الغربية، محذرة من ما سمته محاولات فرض وقائع أحادية الجانب وتقويض الأسس التي تقوم عليها العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة.

وقالت الجبهة في بيان إنها ظلت على مدى أكثر من ثلاثة عقود تتعاون بصورة بناءة مع جهود الأمم المتحدة “وقدمت تنازلات جوهرية دعما لمسار السلام” مستشهدة بمقترحها الموسع الذي رفعته إلى الأمين العام للأمم المتحدة في 20 أكتوبر 2025 باعتباره دليلا إضافيا على التزامها بالحل السلمي وباستتباب الأمن والاستقرار في المنطقة.

جذور النزاع

بدأ النزاع في الصحراء عام 1975، بعد إنهاء الاحتلال الإسباني وجوده في المنطقة، ليتحول النزاع بين المغرب و”البوليساريو” من جهة، وبين هذه الأخيرة وموريتانيا من جهة ثانية إلى نزاع مسلح، استمر حتى عام 1979 مع موريتانيا، التي انسحبت من إقليم وادي الذهب، قبل أن تدخل إليه القوات المغربية.

بينما توقف النزاع المسلح مع المغرب عام 1991، بعد توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار.

وتصر الرباط على أحقيتها في الصحراء، وتقترح كحل حكما ذاتيا موسعا تحت سيادتها، بينما تطالب جبهة “البوليساريو” بتنظيم استفتاء لتقرير المصير، وهو طرح تدعمه الجزائر، التي تؤوي عشرات الآلاف من اللاجئين الصحراويين في تيندوف.

ووفق متابعين تطرح بداية تصفية بعثة “المينورسو” علامات استفهام حول الأدوات الميدانية المتبقية لمراقبة اتفاق وقف إطلاق النار وتفادي صدام عسكري مباشر، لا سيما بعد تصاعد التوتر الميداني منذ عام 2020.

ورغم تأكيد الأمم المتحدة على مواصلة مساعيها عبر المبعوث الشخصي ستيفان دي مستورا، إلا أن غياب الذراع الميداني المتمثل في عناصر البعثة العسكريين والمدنيين يضع المسار الدبلوماسي أمام محك حقيقي، وسط انسداد أفق المفاوضات وتصاعد المخاوف من أن تتحول المنطقة إلى ساحة جديد للصراع المفتوح في غياب آليات الرقابة الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى