نساء بورقيبة.. حين تكشف الحياة الخاصة ما تخفيه أسطورة مدعي محرر المرأة

ثمة شخصيات سياسية يصعب الاقتراب منها دون الاصطدام بالصورة التي صنعتها لنفسها، أو تلك التي صنعها لها أنصارها وخصومها. والحبيب بورقيبة واحد من هذه الشخصيات التي لم تكن مجرد رئيس حكم تونس نحو ثلاثة عقود، بل كان مشروعا سياسيا وثقافيا واجتماعيا سعى إلى إعادة تشكيل المجتمع التونسي وصياغة هويته الحديثة.
لكن ماذا لو قرر مخرج سينمائي أن يدخل إلى عالم بورقيبة من باب مختلف تماما؟ لا من باب الرئاسة والثورة والاستقلال والخطب السياسية، وإنما من باب النساء اللواتي عرفهن، وأحبهن، وتزوجهن، واختلف معهن، وانتهت بعض علاقاته بهن على نحو درامي؟
هذا هو المدخل الذي اختاره المخرج التونسي جمال دلالي في فيلمه الوثائقي “نساء بورقيبة”. من إنتاج قناة الجزيرة الوثائقية، وهو عمل لا يكتفي باستعادة تفاصيل الحياة العاطفية للرئيس التونسي الراحل، بل يضعنا أمام سؤال أكبر وأكثر إحراجا: هل كانت صورة بورقيبة باعتباره محرر المرأة التونسية متطابقة مع علاقته الفعلية بالمرأة في حياته الخاصة؟
الفيلم الذي بدأ الاشتغال على فكرته منذ عام 2019، وعُرض جماهيريا للمرة الأولى في الدوحة يوم 5 فبراير/شباط 2025، اختار موضوعا شديد الحساسية في الذاكرة التونسية، خصوصا أن بورقيبة ظل لعقود رمزا من رموز تحديث المجتمع، وارتبط اسمه بإصدار مجلة الأحوال الشخصية سنة 1956.
جمال دلالي.. المخرج الذي يفتش في المناطق المسكوت عنها
ليس اختيار هذا الموضوع معزولا عن المسار الوثائقي للمخرج جمال دلالي، الذي عرف باهتمامه بالتاريخ السياسي التونسي والشخصيات التي لم تنل روايتها التاريخية المساحة الكافية في الخطاب الرسمي.
فقد اشتغل على شخصيات مثل المنصف باي وفرحات حشاد وصالح بن يوسف، وقدم أعمالا تتجاوز السرد التاريخي التقليدي إلى محاولة إعادة قراءة الوقائع من خلال الوثائق والشهادات والأرشيف.
وفي حوار سابق مع الجزيرة الوثائقية، تحدث دلالي عن إيمانه بأن الفن ينبغي أن يكون حاملا لقضية ومضمونا، وأن الجمع بين الإبداع والرسالة لا يقل أهمية عن المادة التاريخية نفسها.
وفي “نساء بورقيبة” يذهب أبعد في هذا الاتجاه؛ فهو لا يقترب من شخصية غائبة أو منسية، وإنما من شخصية حاضرة بقوة في الذاكرة العامة، ومن صورة تكاد تكون محصنة بفعل ما ارتبط بها من إنجازات سياسية واجتماعية.
إنه يختار أن يضع الزعيم أمام مرآة حياته الخاصة، وأن يسأل عما لا تقوله الخطب الرسمية.
ثلاث نساء وثلاث محطات في حياة الزعيم
يبني دلالي حكايته حول ثلاث نساء يمثلن محطات مختلفة في حياة بورقيبة: الأم، والزوجة الأولى ماتيلد، والزوجة الثانية وسيلة بنت عمار.
الأم.. الجذر الأول للحكاية
يبدأ الفيلم من طفولة بورقيبة وعلاقته بأمه التي توفيت وهو في السابعة من عمره. وهي محطة يستحضرها المخرج لفهم التكوين العاطفي للرجل، وما تركه فقدان الأم في ذاكرته.
ماتيلد.. رفيقة البدايات والمنفى والنضال
المرأة الفرنسية التي ارتبط بها بورقيبة في فرنسا، وتزوجها سنة 1927. لم تكن مجرد زوجة في حياة مناضل تونسي شاب، بل ارتبطت بمرحلة مهمة من تكوينه السياسي والإنساني، واستمر حضورها في حياته حتى بعد انفصالهما.
وسيلة بنت عمار.. من الحب إلى أروقة السلطة
المرأة التي دخلت حياة بورقيبة في مرحلة النضال الوطني، ثم أصبحت زوجته الثانية سنة 1962، وشخصية ذات حضور في محيط الرئاسة. وانتهت العلاقة بالطلاق سنة 1986، في واقعة أثارت كثيرا من التساؤلات السياسية والشخصية.
ومن خلال هذه المحطات الثلاث، لا يقدم الفيلم النساء باعتبارهن مجرد أسماء في سجل العلاقات الزوجية للرئيس، بل يحاول جعل قصصهن مداخل لفهم التحولات التي عرفتها شخصية بورقيبة، من مرحلة الشباب والنضال إلى مرحلة الرئاسة والسلطة.
عندما تصبح الوثيقة أداة لمساءلة التاريخ
من الناحية السينمائية، تكمن إحدى نقاط قوة الفيلم في اختياره الابتعاد عن البناء البيوغرافي التقليدي الذي يتتبع حياة الشخصية من الميلاد إلى الوفاة وفق تسلسل زمني متواصل.
يقول جمال دلالي إنه اعتمد على ما يسميه “بوح الوثيقة”، مستندا إلى الخطب والمقابلات الأرشيفية والرسائل والمقالات والصور والمذكرات الشخصية، مع توظيف حوار صوتي داخلي تتقاطع فيه مواقف بورقيبة مع شهادات من عاصروه أو كتبوا عنه.
كما استعان بالصورة الرمزية والظلال والحركة، حتى لا يتحول الفيلم إلى مجرد تجميع لوثائق تاريخية جامدة.
وهذا الاختيار يمنح العمل طابعا مختلفا؛ فالمشاهد لا يتلقى المعلومات في صيغة درس تاريخي، وإنما يدخل في عملية تركيب ومقارنة بين المواقف والتصريحات والشهادات.
ومع ذلك، فإن الوثيقة ليست حقيقة مكتملة بمجرد عرضها على الشاشة. فقيمة الفيلم الوثائقي لا تتحدد بكمية الأرشيف الذي يمتلكه، وإنما أيضا بقدرته على مساءلة الوثيقة، وتحديد سياقها، ومقارنة الروايات المختلفة، والتمييز بين الواقعة التاريخية والتفسير الشخصي لها.
وهنا تبرز أهمية الموضوع الذي اختاره دلالي، كما تبرز المسؤولية الملقاة على عاتقه في عدم تحويل حياة النساء إلى مجرد مادة لتفسير سلوك الرجل.
المفارقة الكبرى.. محرر المرأة في السياسة أم في الحياة الخاصة؟
ربما يكون هذا هو السؤال المركزي الذي يمنح الفيلم أهميته الفكرية والثقافية. فبورقيبة ارتبط اسمه بمجلة الأحوال الشخصية التي صدرت سنة 1956، وبإجراءات تاريخية في مجال تنظيم الأسرة وإلغاء تعدد الزوجات وتعزيز الحقوق القانونية للمرأة.
لكن هل يعني ذلك أن الرجل الذي دافع عن تحديث وضع المرأة في المجتمع كان بالضرورة نموذجا في علاقاته الخاصة بها؟
إن المسألة تستحق نقاشا يتجاوز الأحكام الأخلاقية السريعة. فليس من الإنصاف إنكار التحولات القانونية والاجتماعية التي عرفتها تونس بسبب التناقضات في حياة بورقيبة الزوجية، كما ليس من الموضوعية اتخاذ تلك الإصلاحات حصانة تمنع مساءلة سلوكه الشخصي وعلاقاته بالنساء.
والأهم أن تحرير المرأة لم يكن منحة شخصية من حاكم، ولا ينبغي اختزال تاريخ الحركة النسائية التونسية في شخص بورقيبة وحده. فقد سبقت الإصلاحات البورقيبية جهود فكرية واجتماعية ونضالية لنساء ورجال تونسيين، تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
وهذه إحدى النقاط التي يشدد عليها دلالي في تفسيره لفكرة الفيلم: إعادة النظر في السردية التي جعلت بورقيبة وحده صاحب الفضل في تحرير المرأة التونسية.
هل أنصف الفيلم النساء أم أعاد تقديمهن من نافذة الرجل؟
ثمة سؤال نقدي آخر لا يقل أهمية: هل نجح الفيلم في منح ماتيلد ووسيلة مكانتهما كشخصيتين تاريخيتين مستقلتين، أم أنه ظل ينظر إليهما من خلال علاقتهما ببورقيبة؟
فالمرأة في مثل هذه الأعمال معرضة لأن تتحول إلى شخصية ثانوية في سيرة الرجل، حتى عندما يكون عنوان الفيلم مخصصا لها.
ماتيلد لها تاريخها وتجربتها وظروفها، ووسيلة لها شخصيتها وطموحاتها وحضورها في الحياة العامة، ولا ينبغي أن تختزل أي منهما في الغيرة أو الحب أو الصراع على قلب الرئيس.
وكان يمكن لمقاربة أكثر توسعا أن تمنح المرأتين مساحة أكبر لاستعادة رؤيتهما الذاتية، وفهم اختياراتهما ومواقفهما، بعيدا عن الروايات التي صاغها الآخرون عنهما.
وهذا لا ينتقص من أهمية العمل، بل يفتح مجالا لنقاش نقدي حول كيفية كتابة تاريخ النساء في المجتمعات التي ظلت فيها سيرة الرجل، خصوصا إذا كان حاكما، مركز الرواية التاريخية.
جمال دلالي.. من التاريخ السياسي إلى التاريخ الإنساني
تبدو تجربة جمال دلالي في هذا الفيلم امتدادا لاشتغاله على التاريخ التونسي، ولكن من زاوية مختلفة. ففي أعماله السابقة، مثل “محمد المنصف باي.. نهاية عرش” و”صالح بن يوسف.. جريمة دولة”، كان يقترب من شخصيات وصراعات سياسية مفصلية، محاولا إعادة فتح ملفات تاريخية من خلال الأرشيف وإعادة قراءة الروايات المتداولة.
أما في “نساء بورقيبة”، فقد اختار أن يدخل إلى التاريخ من باب الحياة الخاصة، وأن يجعل العلاقات العاطفية مدخلا لقراءة السلطة وصورتها الاجتماعية.
وهذا تحول مهم في زاوية المعالجة؛ لأن التاريخ لا تصنعه المعارك السياسية والاتفاقيات والخطب وحدها، بل تصنعه أيضا العلاقات الإنسانية، والتجارب الشخصية، والتناقضات التي يعيشها أصحاب القرار.
وقد أوضح المخرج أن فكرة الفيلم بدأت سنة 2019، وأن البحث استغرق وقتا طويلا قبل إنجاز العمل، وهو ما يعكس حجم الاشتغال الذي يتطلبه موضوع تتداخل فيه الوثيقة الشخصية مع التاريخ السياسي.
كسر احتكار الزعيم لرواية حياته
الأهمية الحقيقية لفيلم “نساء بورقيبة”، أنه لا يكتفي بإضافة حكايات عاطفية إلى سيرة رئيس سابق، وإنما يحاول كسر احتكار الزعيم للرواية التي أراد أن يتركها عن نفسه.
فالحكام عادة ما يحرصون على أن يتذكرهم الناس من خلال إنجازاتهم وخطبهم ومواقفهم الكبرى، بينما تظل جوانب حياتهم الإنسانية والشخصية خارج دائرة الضوء، أو محكومة بما تسمح به الرواية الرسمية.
لكن التاريخ لا يكتمل من زاوية واحدة، ولا يمكن فهم شخصية بحجم بورقيبة من خلال صورته في قصر قرطاج أو على منصات الخطابة وحدها.
لقد اختار جمال دلالي أن يقترب من الرجل عبر النساء اللواتي عرفنه، وأن يضع صورة محرر المرأة أمام اختبار الحياة الخاصة، وأن يفتح نقاشا حول الفرق بين تحديث المجتمع وتحرير الإنسان، وبين التشريع والممارسة، وبين الزعيم كما أراد أن يراه الناس والرجل كما تكشفه الوثائق.
وهنا تكمن قيمة الفيلم: ليس في إصدار حكم نهائي على بورقيبة، وإنما في إعادة طرح الأسئلة التي ظلت معلقة حوله.
إنه عمل يعيد الإنسان إلى داخل التاريخ، ويذكرنا بأن الزعماء، مهما علت مقاماتهم، لا يملكون وحدهم حق كتابة سيرهم، وأن الوثيقة حين تتحرر من وظيفة التمجيد يمكن أن تصبح أداة لاستعادة الذاكرة ومساءلة السلطة.



