وثائقي أمني يعيد حرائق الغابات في الجزائر إلى الواجهة

أعادت وزارة الدفاع الوطني الجزائرية ملف حرائق الغابات والاشتباه في وجود أعمال تخريبية متعمدة إلى الواجهة، بعد نشر مقطع ترويجي لوثائقي بعنوان “كشف مكائد الخيانة… وخيوط العمالة”، يتضمن اعترافات مصورة لموقوفين بشأن ما تصفه السلطات بمخططات استهدفت أمن البلاد وثرواتها، بينها إحراق الغابات، مع توجيه اتهامات إلى معارض جزائري مقيم في الخارج، دون أن تتوافر بعد تفاصيل مستقلة كافية للتحقق من مجمل ما ورد في التسجيل.
وبحسب المقطع الترويجي، الذي نشرته وزارة الدفاع الوطني الجزائرية على منصاتها الرئيسية، فإن الوثائقي يتضمن إفادات لأشخاص موقوفين قالوا إنهم تعرضوا للاستغلال عبر إغرائهم بالمال والنفوذ، وتقديم وعود بالثراء ومساعدات مقابل تنفيذ مهام تخريبية. ولم يتضمن التقرير المنشور تفاصيل كاملة عن هوية الموقوفين أو طبيعة الأدلة التي تستند إليها الاتهامات، فيما يرتقب أن يقدم الوثائقي، الذي يحمل عنوانا يتضمن إشارات إلى “الخيانة” و”العمالة”، رواية السلطات بصورة أوسع.
حرائق الغابات.. من كارثة بيئية إلى ملف أمني
وتعيد هذه الاتهامات تسليط الضوء على ملف حرائق الغابات في الجزائر، الذي تحول خلال السنوات الماضية إلى قضية أمنية وقضائية، إلى جانب أبعاده البيئية والإنسانية، بعدما تسببت حرائق واسعة في خسائر بشرية ومادية وأتلفت مساحات غابية وممتلكات في عدد من الولايات.
وخلال حرائق آب/أغسطس 2021، أعلنت السلطات الجزائرية أن التحقيقات الأولية أشارت إلى وجود طابع إجرامي في عدد من الحرائق. ونقلت الإذاعة الجزائرية، في الثالث من آب/أغسطس من ذلك العام، عن ممثل للنيابة لدى محكمة الدار البيضاء قوله إن تحقيقات ابتدائية أكدت «الطابع الإجرامي» لحرائق، وإنها أظهرت تورط أشخاص ومجموعات إجرامية منظمة. كما تحدثت السلطات آنذاك عن تحقيقات بشأن احتمال إضرام النار عمدا.
وفي أيلول/سبتمبر 2021، أعلنت مصالح الدرك الوطني توقيف مشتبه فيهم في إطار تحقيقات شملت ولايات متضررة، فيما استمرت التحقيقات القضائية في تحديد أسباب الحرائق والمسؤوليات المحتملة عنها.
وتعاملت السلطات الجزائرية مع جانب من حرائق الغابات باعتباره شبهة جنائية، وليس مجرد حوادث مرتبطة بالظروف المناخية.
ولم تقتصر تداعيات حرائق الغابات التي شهدتها الجزائر على الخسائر البيئية، بل امتدت إلى سقوط عشرات الضحايا وتضرر مناطق سكنية وممتلكات، خصوصا خلال موجة الحرائق الواسعة التي ضربت شمال البلاد في آب/أغسطس 2021، وكانت ولاية تيزي وزو من أكثر المناطق تضررا.
وأعلنت السلطات الجزائرية آنذاك سقوط عشرات القتلى، بينهم مدنيون وعسكريون شاركوا في عمليات إخماد النيران، فيما أتت الحرائق على مساحات واسعة من الغابات والأراضي الزراعية، وأجبرت عائلات على مغادرة مناطقها مع اقتراب النيران من التجمعات السكنية. وأعادت تلك الكارثة طرح أسئلة بشأن جاهزية أجهزة الإطفاء، وقدرات الاستجابة للطوارئ، وسبل حماية الغطاء الغابي في مواجهة موجات الحر والجفاف.
وتجاوزت الخسائر البعد المادي المباشر، إذ أثارت الحرائق مخاوف بشأن تدهور النظم البيئية وفقدان الغطاء النباتي وتضرر مصادر رزق سكان المناطق الريفية، فضلا عن الأعباء التي فرضتها عمليات الإجلاء والإيواء وإعادة تأهيل المناطق المتضررة. كما دفعت الكارثة إلى تصاعد المطالب بتعزيز وسائل الوقاية والإنذار المبكر، وتطوير قدرات التدخل، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في إشعال الحرائق عمدا.
وفي موازاة التعامل مع الحرائق بوصفها كارثة طبيعية تفاقمها ظروف المناخ، فتحت السلطات تحقيقات بشأن شبهة الإضرام العمد في عدد من الوقائع، وأعلنت عن توقيف مشتبه فيهم. وبذلك، بات ملف الحرائق يجمع بين مسارين متداخلين: إدارة مخاطر بيئية متكررة، والتحقيق في احتمال وجود أفعال إجرامية وراء بعض الحرائق، وهي مسألة يتطلب حسمها التمييز بين الوقائع التي تثبتها التحقيقات وبين الاتهامات التي تظل بحاجة إلى أدلة وأحكام قضائية.
اعترافات مصورة وأسئلة بشأن الأدلة
وتتمثل النقطة الأساسية في الوثائقي الجديد في ما تنسبه وزارة الدفاع إلى الموقوفين من إفادات بشأن استغلال ظروفهم الاجتماعية وإغرائهم بمكاسب مالية مقابل تنفيذ أعمال تخريبية. ويقدم المقطع، هذه الإفادات ضمن رواية رسمية تربط بين التحريض من الخارج وتنفيذ أنشطة تستهدف أمن البلاد وممتلكاتها.



