أخبار عربيةالأخبارلبنان

لميا اللبّان: بيروت تسكنني وتملأ غربتي، ولوحاتي توثيق بصري وعاطفي لها

في زمن يحكم مفاصله النسيان، وتتبدل ملامح المدن تحت وطأة الأزمات، تبقى الذاكرة هي الحصن الأخير الذي يحمي هوية الأماكن وخواطر ساكنيها. ومن بين مسافات الاغتراب التي تفصل بين لبنان وعالم المهجر (بين كندا والولايات المتحدة)، تجد الفنانة التشكيلية اللبنانية لميا اللبّان طريقها الفريد نحو الوطن، عبر ريشة متألقة تُعيد صياغة الماضي في لوحات تنبض بالحب والحياة والألوان.

انطلقت رحلتها الفنية العميقة بشكل متسارع مع فترة الإغلاق العالمي إبان جائحة كورونا، لتتحول اللوحة لديهَا إلى نافذة تواصل تنبض بالحياة مع العالم الخارجي. ومنذ ذلك الحين، كرّست أدواتها الفنية لنفض الغبار عن صور قديمة، فتوشّيها بألوان مبهجة ودافئة تعيد للبيوت البيروتية العتيقة، وأزقتها، وتفاصيل حياة أهلها اليومية، نبضها وروحها. لم تكتفِ لميا اللبّان بالاحتفاء بالجمال والتراث البيروتي فحسب، بل واجهت فاجعة انفجار الرابع من آب في مرفأ بيروت بترجمتها إلى مشاعر تنبض بالصمود والأمل بغدٍ أفضل.

عرضت أعمالها في محطات ومعارض فنية بارزة بالمهجر (من ضمنها مهرجانات الفن في كاليفورنيا ونيوبورت بيتش)، وحفرت اسمها كصوت تشكيلي بارز يحمي الذاكرة الجماعية من سطوة النسيان.

في هذا الحوار، نذهب مع لميا اللبّان في رحلة هادئة في أسرار الألوان، ونتأمل كيف تترجم الغربة حنيناً لا يهدأ على قماش اللوحة.

لكل فنان نقطة بداية كانت هي الشرارة الأولى. حدثينا عن بداياتكِ مع الفن؛ كيف اكتشفتِ هذه الموهبة في داخلكِ، وكيف عملتِ على صقلها وتطوير أدواتكِ بمرور السنوات لتصلي إلى هذا الأسلوب الفني الخاص الذي يميّزكِ اليوم؟
جواب: كانت طفولتي هي الشرارة الأولى؛ فقد برزتُ وتفوقتُ في مادة التربية الفنية في المدرسة، وكنتُ أقضي أوقات فراغي بشغفٍ كبير في الرسم.

ولعبت عائلتي من جهة والدتي (مؤسسة الداعوق) دوراً كبيراً في دعمي؛ حيث كانوا معروفين في مجال استيراد الورق، وكانوا يشجعونني باستمرار على صقل موهبتي وتطوير مهاراتي في الرسم، مما ساعدني على تشكيل أسلوبي الفني الخاص اليوم.

أما بدايتي مع الحنين، فقد بدأت أثناء إقامتي مع أسرتي في الكويت حيث كان يعمل والدي. ورغم الغربة، كانت زياراتي الصيفية لبيروت كافية لأتشرّب كماً كبيراً من العادات والتقاليد البيروتية التي عشتها في “رأس بيروت”، وبالتحديد في “بناية اللبّان”. ولكن، بسبب ظروف الحرب الأهلية، حُرمنا من زيارة الأقارب، إلى أن تقاعد والدي، وعُدنا للاستقرار بشكل دائم في بيروت، وهناك دخلت الجامعة اللبنانية الاميركية واخترت مجال الفنون الجميلة وتخصّصت فيها، وكان لها دورٌ كبير في صقل موهبتي.

غالباً ما تنطلقين في رسوماتكِ من صور قديمة تحكي قصصاً من ماضي بيروت. عندما تقع عيناكِ على صورة ما، كيف تختارينها، وهل تعتمدين على تفاصيلها الفوتوغرافية أم تمزجينها بذاكرتكِ الشخصية ومشاعر الناس؟
جواب: إن مجموعتي القائمة على الحنين تتطور يوماً بعد يوم؛ فقد بدأت رحلتي بالتواصل مع عائلتي وأقاربي من محل اقامتي في الولايات المتحدة، لأستمع إلى حكاياتهم وقصصهم المشوقة، بالتوازي مع استرجاع ذكرياتي الشخصية التي لا تُنسى، والتعمق في قراءات أرشيفية متنوعة. لذلك، عندما أختار صورة ما، لا أكتفي بتفاصيلها الفوتوغرافية الجامدة، بل أراها كمدخلٍ يمتزج تلقائياً بمخزون الذاكرة، والمشاعر الإنسانية التي جمعتُها من تلك القصص والأرشيفات، لتبث الحياة في اللوحة.

على صعيد الأدوات والتقنية، ما هي الخامات اللونية الأقرب إلى قلبكِ في التعبير (كالزيت أو الأكريليك أو المائيات)، وكيف تتعاملين مع تفاصيل الخطوط والألوان لتخرجي اللوحة بهذا الطابع الدافئ؟
جواب: تقنيتي المفضلة هي استخدام ألوان الأكريليك على أسطح مختلفة، حيث أدمج معها أحياناً المواد المتعددة (Mixed Media) . أما دفء ألواني، فتنبثق من دوافع أساسية مختلفة:
أولها حبي لبيروت. هناك ذكرياتي الجميلة، وطبيعة مدينة إقامتي هنا في كاليفورنيا، فهي ولاية دافئة وبالأخص “اورنج كاونتي” التي تشبه بيروت لحد ما.
وبما أنني لا أعيش في لبنان، فإن مرسمي يتمتع بنوع من الاستقرار والهدوء الذي يمنحني مساحة ليكون هدفي، ورسالتي الفنية هي رسم الروح الحقيقية لبيروت، وليس مجرد تقديم لوحات لتزيين الجدران؛ على عكس بعض الفنانين المقيمين الذين يقعون تحت ضغوطات مادية تدفعهم لتقديم أعمال ضعيفة من جوانب مختلفة أبرزها الافتقار للممارسة الحقيقية للفن بحجة الفن التجريدي الحديث ومن أجل كسب المال.

الصور القديمة تكون عادة بالأبيض والأسود، جافة وخالية من التعابير، لكنكِ تختارين لها دائماً ألواناً مبهجة ودافئة. عندما تحولين مشهداً قديماً بهذا الشكل، ما هو الإحساس الجميل الذي تتمنين أن يصل إلى قلوب الناس عندما ينظرون إلى النتيجة؟
جواب: أنا أحتفظ بأرشيفٍ غنيّ من الصور العائلية القديمة، بالإضافة إلى صورٍ أخرى جمعتها وحفظتها من منصات وصفحات مختلفة، وعلى رأسها صفحة “تراث بيروت”. بمجرد أن تقع عيناي على هذه الصور القديمة بالأبيض والأسود، يتملكني حماسٌ كبير ونبضٌ قوي لأبثّ فيها روح بيروت الجميلة والنابضة بالحياة.
الإحساس الذي أتمنى أن يصل إلى قلوب الناس عندما ينظرون إلى لوحاتي هو الدفء والأمل؛ أريد لهذه الألوان المبهجة أن تعيد الحياة إلى تلك اللحظات الجميلة، لتتحول اللوحة من مجرد مشهدٍ قديم إلى حكاية حيّة تروي قصصاً ملهمة للأجيال القادمة، وتُبقِي روح المدينة حية في ذاكرتهم.

عندما ترسمين البيوت التراثية البيروتية وأقواسها العتيقة، تبدو وكأنها تحكي حكايات أصحابها. هل تفكرين في بيت معين أو شارع محدد في بيروت عشتِ فيه أو مررتِ به كمصدر الهام أساسي لكل هذه التفاصيل؟
جواب: مصدر إلهامي الأساسي ليس بيتاً بعينه أو شارعاً محدداً، بل هو تلك الحالة الوجدانية التي تملكتني بعد الغربة؛ فقبل أن أهاجر، كان وجودي في بيروت أشبه بتحصيل حاصل، نعيش في تفاصيلها اليومية دون التفكير في عمق معناها. ولكن عندما غادرتها، اكتشفتُ أن بيروت هي التي تعيش في وجداني، واستطعتُ حينها فقط أن أفهم بشكلٍ أعمق معنى التعلق الحقيقي بالجذور. الآن، لم أعد أنا من أسكن في بيروت، بل هي التي تسكنني وتملأ غربتي. لذلك، عندما أرسم تلك البيوت التراثية وأقواسها العتيقة، فإنني لا أرسم حجارةً رأيتها في الماضي، بل أستحضر روح المدينة بأكملها التي حملتها معي في داخلي وأعبر عنها في كل تفصيل.

نرى اليوم الكثير من معالم بيروت القديمة تختفي تحت ضغط الزمن والتغيرات. هل تشعرين أحياناً وأنتِ تمسكين الفرشاة أنكِ تؤدين دور من يحفظ شكل المدينة قبل أن يطالها النسيان؟
جواب: نعم، أشعر بهذا الدور بكل جوارحي، فالفرشاة في يدي ليست مجرد أداة للتعبير الفني، بل هي رسالة والتزام. يتملكني حزنٌ عميق وأنا أرى مدينتي بيروت تفقد هويتها العمرانية الأصيلة يوماً بعد يوم لأسبابٍ مختلفة وظروفٍ قاسية طمست الكثير من معالمها.

لذلك، أرى أن البيوت التي أرسمها ليست مجرد لوحات، بل هي شاهدةٌ حيّة وموثِّقة لكل ما يميّز أحياءنا البيروتية العريقة؛ من النوافذ المنسّقة، والشرفات المفتوحة على الحكايات، و”الجنينات” والمداخل الدافئة، وصولاً إلى زخارف البلاط العتيق. أعتبر كل لوحة بمثابة جدار صَدّ في وجه النسيان، ومحاولة جادة لحفظ روح المدينة وتفاصيلها الهندسية والإنسانية قبل أن تختفي تماماً.

إلى جانب المباني، تهتمين برسم مشاهد بسيطة من حياة الناس اليومية. ما هو المشهد اليومي البيروتي الذي تشعرين أنه الأكثر بقاءً في ذاكرتكِ والذي تحبين نقله للناس؟
جواب: أنا لا أبحث عن مجرد مشهد عابر، بل أحب أن تنطق اللوحة بالقصص والحكايات؛ ولذلك، عندما أرسم شخصياتي، أتعمد أن تنظر إلينا مباشرة بأعينٍ متوسلة، كأنها تناشدنا بصمت ألا ننساها وألا نتركها للغياب. تستهويني كثيراً المشاهد اليومية البسيطة التي تسلط الضوء على تفاصيل التقاليد التي رسمت الهوية البيروتية الأصيلة التي عشتها بنفسي، وتحديداً تلك المتعلقة بالمرأة وطقوسها المحببة. وقد أخذتُ على عاتقي طرح مواضيع بيروتية فريدة من نوعها، لم يتناولها أحد في لوحات فنية من قبل؛ لتكون بمثابة توثيق بصري وعاطفي حي، مثل:

الصبحية البيروتية بكل تفاصيلها الدافئة.

عروض “صندوق الفرجة” الساحرة وسهرات وجلسات “البرجيس”.
تقاليد استقبال المولود الجديد وطقوس ثقب أذن الفتيات الصغيرات.
قص الشعر على أسطح المنازل في الهواء الطلق.
العادات العفوية مثل ري أحواض النباتات على الشرفات وتنفيض السجاد.
أجواء البهجة في جمعة المولد النبوي الشريف.
الطقوس العائلية لطهي الأكلات التراثية كالمفتقة والأرنبية.
كل هذه التفاصيل مجتمعة هي المشهد الأبدي في ذاكرتي، والذي أسعى لنقله إلى الناس بروح الحنين.

العيش في المهجر لسنوات طويلة يجعل الإنسان ينظر لوطنه بنظرة ملؤها الشوق. هل تجدين أن البعد الجغرافي منحكِ صفاء رؤية وعمق إدراك لجمال بيروت لم تكوني لتلاحظيه لو كنتِ وسط زحامها؟
جواب: بالتأكيد، لقد منحني البعد الجغرافي صفاءً في الرؤية والسلام الداخلي، والاستقرار النفسي، ولكن الأهم من ذلك أنه ضاعف مسؤوليتي العاطفية تجاه مدينتي؛ فكلما شعرتُ بالألم يقسو على بيروت، يزداد في داخلي إلحاحٌ جارف، وحاجة ماسة للإمساك بالفرشاة والرسم، مدفوعةً برغبة حقيقية في أن أعكس للعالم صورة أجمل وأنقى تليق بروحها.

لقد أدركتُ في غربتي أن قصة بيروت، بجمالها وعراقتها، ليست حكراً على اللبنانيين وحدهم، بل هي إرثٌ إنساني أحب أن يراه العالم أجمع بعيون ملؤها الاحترام والمحبة الشديدة. أنا في الحقيقة أخاف عليها كثيراً من غدر الزمن وتغيّراته، وأغار عليها من كل يدٍ تهملها أو تتناساها، ولذلك أترجم هذه الغيرة وهذا الخوف إلى ألوان مبهجة تحمي ملامحها من الضياع.

خلال الأوقات الصعبة مثل أيام كورونا أو فاجعة انفجار المرفأ، مرت لحظات عجز على الجميع. هل تتذكرين لوحة معينة بدأتها في تلك الظروف، وكيف ساعدتكِ الريشة على ترتيب مشاعركِ وسط الألم؟
ولدت مجموعتي القائمة على الحنين إلى بيروت مع بداية جائحة كورونا وما رافقها من إغلاقٍ وحصار منزلي؛ فبينما كان العالم يغرق في الاكتئاب ويلتف حول شاشات التلفاز والألعاب الإلكترونية، اخترتُ أن أعتزل مع ألواني وشغفي. استثمرتُ ذلك الوقت في التواصل المكثف مع أقاربي لتجميع أكبر قدر ممكن من القصص الحية والتقاليد البيروتية التي أجمع الجميع حينها أنها باتت على وشك النسيان.

بدأتُ بنشر أعمال هذه المجموعة تدريجياً لأتلمس ردود أفعال الناس، وهنا لعبت وسائل التواصل الاجتماعي، وتحديداً منصة “فيسبوك”، دوراً محورياً؛ حيث اتخذتُ من صفحتي متحفاً دائماً ومفتوحاً، يتيح لكل من يشاء زيارته، وتأمل اللوحات، والتفاعل مع حكاياتها.

أما فاجعة انفجار المرفأ، فقد جاء كصدمة وزلزال هزّ كياني، وكانت ردة فعلي الفنية سريعة وعفوية لشدة الألم؛ حيث كنتُ أرسم لوحاتٍ بحجم صغير في غضون ساعات قليلة مسترسلة مع مشاعري الصادقة، فكان الناس يستيقظون صباح كل يوم ليجدوا لوحة جديدة تولد من رحم الفاجعة، تحكي معاناةً مختلفة وتوثّق قصة وجع بيروتي جديد.

رغم قسوة السياق أحياناً، تبقى لوحاتكِ تفيض بالأمل ودفء الألوان. هل ترين أن بث هذا الأمل هو التزام داخلي تجاه ناسكِ وأهلكِ في الوطن، وكيف ترين علاقتك بالعودة اليوم؟ هل تحنّين للعيش في بيروت، أم إن تفاصيل المدينة وحياتها تبدّلت كثيراً عما في ذاكرتك؟
جواب: إن بث الأمل في لوحاتي هو بالفعل التزام داخلي عميق وصادق تجاه ناسي وأهلي ومحبي الفن؛ ففي الأوقات العصيبة، يكون الفن هو النافذة التي نتنفس منها جميعاً والمرآة الأصدق للأجيال القادمة. أما عن علاقتي بالعودة اليوم، فقد كانت آخر زيارة لي لبيروت في آب عام 2018، وهو العام ذاته الذي غيّب فيه الموت والدي الحبيب هناك، مما جعل المدينة ترتبط في قلبي بغصة الفقد إلى جانب الشوق الجارف.

ورغم أنني أدرك تماماً أن تفاصيل المدينة وحياتها قد تبدّلت وتغيّرت كثيراً عما هي عليه في ذاكرتي، إلا أن حنيني لزيارتها لا يقلّ أبداً. قد لا أبحث عن بيروت الحالية التي غيّرتها الظروف، بل أحنّ لبيروت التي تسكن في وجداني، وأتوق للعودة لألتقي بأقاربي، وبجمهور لوحاتي، ولأرى أثر تلك الألوان المبهجة والدفء في عيون من يراها في معرض في مدينتي الحبيبة بيروت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى