ما سر الاستحواذ الإماراتي الجديد بملف الطاقة المصري؟

بعد فترة تراجع وخفوت الاستحواذات الخليجية على الأصول العامة والشركات الحكومية المصرية عادت مجددا الاستثمارات الإماراتية الأكثر حضورا بالسوق المصري وبقوة، لتركز هذه المرة بشكل أكبر على ملف الطاقة ذو الأهمية لدى 109 ملايين مصري والأشد تأثيرا على اقتصاد يعاني أزمات هيكلية وبنيوية خطيرة.
وشهد الأسبوع الماضي، صفقتين كبيرتين، أولهما: استحواذ شركة “أركيوس إنرجي” الإماراتية التي تأسست نهاية عام 2024، على 5 امتيازات بحرية للغاز الطبيعي في البحر المتوسط من حصص أعمال شركة “بي بي” البريطانية في مصر، لتحصل مصر على منحة التوقيع المرتبطة بالصفقة، وتسمح بتفاوض الشركتان حول بيع امتياز “شمال الإسكندرية” المنتج لـ250 مليون قدم مكعب يوميًا.
وبتلك الصفقة ضمت الشركة الإماراتية التابعة لـ”إكس آر جي” التابعة لشركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك)، منطقتين منتجتين، هما امتياز “شمال دمياط” كاملا بإنتاج 450 مليون قدم مكعب يوميًا، إلى جانب حصة 10 بالمئة في امتياز “شروق البحري” الذي يضم حقل ظهر، بإنتاج 1.2 مليار قدم مكعب يوميًا، بالإضافة إلى امتياز “شمال الفيروز” بحصة 50 بالمئة، وامتياز “بيلاتريكس” بالحصة نفسها، ومنطقة “شمال الطابية”.
الصفقة الأكثر إثارة
ثاني الصفقات، كان إبرام شركة “ألكازار إنرجي” الإماراتية وهيئة الطاقة الجديدة والمتجددة المصرية الأربعاء الماضي، صفقة بقيمة 420 مليون دولار للاستحواذ لمدة 25 عاما على حق تشغيل وإدارة وتطوير محطة “رياح جبل الزيت”، التي تبلغ طاقتها 580 ميجاوات، (2.4 تيراوات/ساعة من الكهرباء النظيفة)، ما يجعلها أكبر محطات طاقة الرياح بأفريقيا.
وستشتري الشركة المصرية لنقل الكهرباء كامل الطاقة المولدة من المحطة بسعر تعريفة يبلغ 0.03 دولار لكل كيلووات/ساعة، على أن يسدد الجزء الأكبر منها بالدولار، والباقي بالجنيه طوال مدة المشروع، فيما من المقرر أن تضخ الشركة الإماراتية 250 مليون دولار تدريجيا لإعادة تشغيل التوربينات المتوقفة، ورفع كفاءة التشغيل.
وفي تعليقها قالت نشرة “إنتربرايز” الاقتصادية: تشكل الاتفاقية إضافة قيّمة لخطة الطروحات الحكومية، التي تأثرت سلبا في وقت سابق من الأسبوع بعد تأجيل طرح بنك القاهرة إلى أيلول/سبتمبر.
ويقع مجمع رياح جبل الزيت على بعد 350 كيلومترا جنوب شرق القاهرة، ويضم ثلاث محطات تمتد على مساحة 100 كيلومتر مربع، بقدرة إجمالية 580 ميغاواط، الأولى تنتج 240 ميغاواط وتمت باتفاق مع بنك التعمير الألماني والمفوضية الأوروبية، والثانية بقدرة 220 ميغاواط وتضم 110 توربينات وبنيت بقرض بقيمة 38 مليار ين ياباني من الوكالة اليابانية (جايكا)، والثالثة تنتج 120 ميغاواط وتمت بتمويل إسباني بنحو 300 مليون دولار.
وأثارت تلك الصفقة جدلا وانتقادات مصريين عبر مواقع التواصل، خاصة وأنه تم بناء تلك المحطة التي افتتحت عام 2018 بقروض بنحو 12 مليار جنيه (580 مليون دولار) وقت الإنشاء، بينما الصفقة مع الشركة الإماراتية بقيمة 420 مليون دولار فقط، مؤكدين أن مصر لم تحقق مكسبا من الصفقة، وأنها ستشتري إنتاجها مقوما بالدولار ومدفوعا بالعملة الصعبة، وبسعر 3 سنت لكل كيلووات/ساعة ولمدة 25 عاما.
كما أثار تصريح رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، غضب البعض حين قال إن “عائد صفقة محطة جبل الزيت سيوجه إلى وزارة المالية بهدف المساهمة في خفض الدين الخارجي”، ملمحا إلى وجود عوائد أخرى منها حق انتفاع الأرض الذي سيتم سداده من جانب المستثمر، والتزامه برفع كفاءة وتطوير المشروع.
مخاوف الاحتكار
وتعمل في مصر 57 شركة في مجال البحث والاستكشاف والإنتاج، من بينها 8 من كبريات الشركات العالمية، و6 شركات مصرية متخصصة، وأكثر من 12 شركة عالمية تعمل في مجال الخدمات البترولية والتكنولوجية، فيما دخلت الشركات الإماراتية القطاع بقوة في السنوات الأخيرة.
ويثير حضور “ألكازار إنيرجي”، الإماراتية القوي بقطاع الطاقة المصري مخاوف الاحتكار، خاصة وأنها إلى جانب الاستحواذ على مجمع “جبل الزيت”، تعاقدت في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، على إنشاء مزرعة رياح “نيات” البرية على قناة السويس بقدرة 500 ميجاوات بتكلفة 580 مليون دولار، في شراكة تمت مع “سيمنز جاميسا” للطاقة (إسبانية-ألمانية).
وفي 14 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، وقعت الشركة مذكرة تفاهم مع الحكومة المصرية لتطوير مشروع “طاقة رياح برية” بقدرة 2 غيغاوات، لتزويد أكثر من 1.3 مليون منزل بالطاقة.
ومن المقرر أن تدشن “ألكازار إنرجي” محطة طاقة متجددة بـ”الزعفرانة” في البحر الأحمر بتكلفة مقدرة بـ2.5 مليار دولار تنتج 2 غيغاوات طاقة شمسية، و1.1 غيغاوات طاقة رياح، بإجمالي 3.1 غيغاوات، بنظام البناء والتملك والتشغيل، على أن تبيع للدولة المصرية إنتاج المحطة بسعر 2 سنت من الأولى، و3 سنتات من الثانية.
وذلك في الوقت الذي تعد فيه الشركة الإماراتية أكبر مساهم في مجمع “بنبان للطاقة الشمسية” في أسوان (جنوب) بقدرة 1.65 غيغاواط، و”مزرعة خليج السويس” الثانية لطاقة الرياح بقدرة 650 ميغاوات، الأمر الذي يفاقم مخاوف الاحتكار.
وتمثلت ثالث أنباء الحضور الإماراتي القوي في قطاع الطاقة المصري في إعلان شركة “دراغون أويل” المملوكة لشركة بترول الإمارات الوطنية “إينوك”، في أيار/مايو الماضي، بضخ استثمارات بقيمة ملياري دولار بقطاع النفط والغاز خلال 5 سنوات، ضمن خطة للوصول بالإنتاج إلى 200 ألف برميل يوميا بحلول 2030، من نحو 65 ألف برميل حالياً.
وأعرب محللون عن مخاوفهم من احتمالات تأثير (حرب إيران)، وحاجة الحكومة المصرية للنقد الأجنبي لحل أزمات حلول مواعيد أقساط الديون الخارجية ومواصلة توفير شحنات الغاز خلال أشهر الصيف وترقيع الموازنة العامة التي تعاني من العجز المالي، على مدى عدالة تقييم صفقة محطة “رياح جبل الزيت”، بشكل خاص.
حين تصبح الطاقة عملة السياسة
وفي قراءته، لأسباب عودة الاستثمارات الإماراتية إلى مصر الآن وتركيزها بشكل خاص على مجال الطاقة، تحدث الباحث المصري في العلاقات الدولية الدكتور محمد الصاوي.
وقال: في عالم يتزايد فيه التنافس على مصادر الطاقة وتتصاعد فيه الاضطرابات الجيوسياسية من الخليج إلى شرق المتوسط، لا تبدو الصفقات الإماراتية الأخيرة في مصر مجرد استثمارات عابرة، بل جزءًا من إعادة رسم خريطة النفوذ الاقتصادي في المنطقة.
وبين أنه “بينما تسعى القاهرة إلى تخفيف ضغوط الديون وتأمين احتياجاتها من الطاقة، تتحرك أبوظبي نحو القطاعات الأكثر ارتباطًا بالأمن الطاقوي والعوائد الاستراتيجية طويلة الأجل”، مشيرا إلى أن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: لماذا تستثمر الإمارات في الطاقة المصرية؟ بل أيضًا: لماذا يحدث ذلك الآن تحديدًا؟
الصاوي، يعتقد أن عودة الاستثمارات الإماراتية إلى قطاع الطاقة المصري تشير إلى تحول نوعي في طبيعة الاهتمام الخليجي بالسوق المصرية، من الاستحواذ على الأصول التقليدية إلى التركيز على القطاعات المرتبطة بالأمن الطاقوي والعوائد طويلة الأجل.
ويرى أن صفقة انتقال امتيازات غاز من شركة (BP) إلى (أركيوس إنرجي) المدعومة من تحالف (BP) وذراع الاستثمار الدولي لشركة (ADNOC) الإماراتية تعكس ثقة متزايدة في إمكانات الغاز المصري وشرق المتوسط، رغم تصاعد المخاطر الإقليمية وحالة عدم اليقين التي تفرضها التطورات الجيوسياسية الراهنة.
غموض صفقة جبل الزيت
لكن صفقة محطة رياح جبل الزيت تستحق وفق الباحث المصري، نقاشًا أكثر عمقًا، مؤكدا أن المقارنة المباشرة بين تكلفة إنشاء المحطة، التي قاربت 580 مليون دولار، وقيمة الصفقة البالغة 420 مليون دولار قد تكون مضللة اقتصاديًا.
وأرجع السبب إلى أن تقييم الأصول لا يعتمد على تكلفة البناء التاريخية فقط، بل على العمر التشغيلي المتبقي، وتكاليف الصيانة، والإيرادات المستقبلية المتوقعة، ومستوى المخاطر المرتبطة بالاستثمار، موضحا أنه ومع ذلك، فإن غياب الإفصاح الكامل عن أسس التقييم وشروط التعاقد يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة بشأن عدالة التسعير ومدى تحقيق المصلحة العامة.
ولفت الصاوي، إلى أن المعلومات المعلنة تشير إلى أن الاتفاق لا يتعلق ببيع الأرض أو التخلي النهائي عن الأصل، بل بمنح حق التشغيل والتطوير والاستثمار ضمن إطار تعاقدي طويل الأجل، مع التزام المستثمر بضخ استثمارات إضافية وتطوير كفاءة المحطة والحفاظ على قدرتها الإنتاجية؛ غير أن ذلك لا يلغي أهمية الشفافية الكاملة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأصول استراتيجية تم إنشاؤها بتمويل عام وقروض خارجية.
وتأتي الصفقات الإماراتية في الوقت الذي تتعثر فيه خطة الطروحات الحكومية المصرية، التي تأثرت سلبا بالحرب الإيرانية ما دفع الحكومة الأسبوع الماضي لتأجيل طرح “بنك القاهرة” إلى أيلول/سبتمبر المقبل.
الأمر الذي يثير علامات استفهام حول تعثر صفقة البنك الحكومي، ونجاح صفقتي الإمارات في قطاع الغاز في توقيت تعود فيه الحرب (الأمريكية-الإسرائيلية) على إيران للاشتعال مجددا، ما رفع أسعار الطاقة مجددا، وسط وساطات دولية لعودة واشنطن وطهران إلى طاولة المفاوضات.
وهنا يرى الصاوي، أن العامل الأكثر حساسية يظل هو التوقيت؛ فمصر تواجه حاليا تحديات متزامنة تتعلق بخدمة الدين الخارجي، وتأمين احتياجات الطاقة خلال أشهر الصيف، وتأجيل عدد من الطروحات الحكومية المهمة، وفي مثل هذه الظروف، يثور دائمًا التساؤل حول ما إذا كانت الحاجة الملحة إلى النقد الأجنبي قد تؤثر على القوة التفاوضية للدولة عند تقييم أصولها الاستراتيجية.
وقال الصاوي، إن الحكم على هذه الصفقات لا ينبغي أن يكون مؤسسًا على المواقف الأيديولوجية، بل على معايير الحوكمة والشفافية والكفاءة الاقتصادية؛ فنجاح أي صفقة لا يُقاس فقط بحجم الأموال التي تدخل الخزانة العامة، بل بقدرتها على خلق قيمة اقتصادية مستدامة، وتعزيز أمن الطاقة، وحماية المصالح الوطنية على المدى الطويل.
وأكد أن الاستثمار في الطاقة لم يعد مجرد قرار اقتصادي؛ بل أصبح أداة من أدوات النفوذ الجيوسياسي في الشرق الأوسط؛ والقيمة الحقيقية للأصول لا تُقاس بما أُنفق عليها بالأمس، بل بما تستطيع أن تولده من عوائد غدًا، أما الشفافية، فهي ليست ترفًا في إدارة الأصول الاستراتيجية، بل شرط أساسي لبناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
وختم حديثه متسائلا: إذا كانت الاستثمارات الإماراتية تعكس ثقة متزايدة في مستقبل قطاع الطاقة المصري، فهل تنجح القاهرة في تحويل هذه الثقة إلى شراكات تنموية طويلة الأجل، أم أن ضغوط التمويل والديون ستجعلها تكتفي ببيع الوقت مقابل السيولة؟
ماذا تبقى للمستقبل؟
وعبر صفحته بـ”فيسبوك”، قال الصحفي ناجي عباس: نحن نبيع اليوم دون التفكير في العجز والشلل الذي سيصيبنا غداً؛ فحين تبيع الدولة شركات الأسمدة والحاويات والبنوك والأراضي الاستراتيجية لسد التزاماتها الحالية، فهي لا تحل أزمة بل تؤجلها وتعقدها وتضخّمها.
وتساءل: ماذا سنبيع عندما تحل مواعيد سداد الديون الجديدة؟، محذرا من أن تجد الدولة نفسها في النهاية بلا موارد، وبلا أراضٍ، وبلا سيطرة على مرافقها، وبلا أمن قومي مكبلة بالديون، وكأننا نعيد تصوير مشاهد إفلاس الدولة العثمانية بكاميرات حديثة.



