الأخبارأخبار عربية

لبنان ـ جمهورية “المتفرّج الصامت” ومشاركة السلطة في الكارثة

نبيل شحاده – كاتب لبناني

في ظل وطأة الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة وعمليات الجيش الإسرائيلي في التدمير الممنهج للقرى والبلدات في الجنوب، تبقى الأزمة الداخلية ظاهرة وحادة وتتمثل في الإصرار على تغييب الدستور واختطاف القرار الاستراتيجي اللبناني من قبل حزب الله لصالح السياسة الإيرانية وأهدافها ومشاريعها، ووفق عقلية “الآمر الناهي”، التي لم تعد مجرد خرق واستفراد بحق تقرير المصير، وانما تحولت إلى عامل أساسي يسهم في تعميق الكارثة الوطنية، وتعرية الساحة اللبنانية برمتها أمام آلة الحرب الإسرائيلية. وهذا السلوك المزمن، لا يكتفي بوضع الشعب اللبناني أمام تداعيات حروب كارثية لم يشارك في قرار خوضها، بل إنه يمنح الاحتلال الإسرائيلي الذرائع لممارسة تدميره الممنهج وضغطه العسكري مما يؤدي إلى قضم ما تبقى من مصداقية الدولة وعناصر قوتها السياسية والدبلوماسية.

الأزمة لم تقف عند حدود التفرد الميداني، بل بلغت ذروة التحدي للمؤسسات الشرعية عندما اختار الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم رفع السقف السياسي إلى حد التهديد الصريح بإسقاط الحكومة اللبنانية تحت ذريعة عجزها عن “حماية السيادة” وهذا ما يعني تقويضاً للهيكل، وإدخال الساحة في نفق الفوضى الشاملة، والأخطر هو ترك البلاد بلا غطاء سياسي أو حكومة شرعية معترف بها دولياً، ما يجرّد لبنان من أي ممثل قانوني قادر على إدارة المفاوضات الدبلوماسية، أو وقف إطلاق النار، أو طلب وتنظيم تدفق المساعدات الإنسانية لإغاثة المنكوبين. هذا الموقف قوبل برد سريع وعنيف من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي اعتبر أن الحقبة التي كان يحتجز فيها حزب الله لبنان رهينة قد أوشكت على الانتهاء.

هذا التراشق الكلامي ينقل الأزمة اللبنانية مباشرة من سياقها المحلي إلى مستوى المواجهة الإقليمية والدولية، ويكشف بوضوح أن النزاع لم يعد مجرد مناورة داخلية لتحسين الشروط، بل هو تصادم علني بين منطق الدويلة المتمسكة بسلاحها غير الشرعي، وبين توجهات دولية وعربية حازمة تسعى لإنهاء ظاهرة السلاح المنفرد وإعادة الاعتبار للشرعية اللبنانية.

وتبرز هنا مفارقة تفسيرية عميقة وطريفة في نفس الوقت: كيف يمكن لجهة تصادر قرار السلم والحرب وتخرق السيادة الوطنية يومياً بسلاحها المنفرد أن تطالب بإسقاط الحكومة بذريعة التقصير في حماية السيادة؟ الواقع يشير بوضوح إلى أن هذا التهديد هو محاولة استباقية لقطع الطريق على أي قرارات حكومية رسمية قد تسعى لتطبيق القرارات الدولية ذات الصلة، مثل القرار 1701 وغيره، وسعي لفرض الفراغ الشامل كأداة للضغط والابتزاز السياسي.

أمام هذا المشهد المقلق، يمكن القول إنه لم يعد موقف الدولة اللبنانية ومؤسساتها الرسمية التي تكتفي بدور المتفرّج الصامت مجرد عجز سياسي فرضته موازين القوى، بل هو “تخلٍّ خطير” عن المسؤولية التاريخية. فالصمت والانكفاء المستمر لم يعد حياداً، بل غدا مساهمة غير مباشرة في تفاقم الكارثة وتغطية التجاوزات.

واستمرار هذا النهج سيقود حتماً إلى نتائج متعددة ومنها، التصفية الكاملة لما تبقى من مقومات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي المنهار أصلاً، وتعميق العزلة العربية والدولية للبنان، ثم الارتطام بالجدار الدولي الحاسم والذي يبشر برفع الغطاء بالكامل عن منطق “الدولة الرهينة”، مما يعني أن الاستمرار في هذا المسار سيجلب المزيد من الضغوط والعقوبات على البلد ككل.

إن إنقاذ لبنان من هذه الدوامة لم يعد يحتمل حلولاً ترقيعية أو تدويراً للزوايا؛ إذ لا يمكن لبناء وطني أو صيغة عيش مشترك أن تستقيم وتستمر في ظل ازدواجية السلاح والقرار. والممر الإلزامي والوحيد المتاح عملياً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه هو التطبيق الفوري والشامل للقرارات الدولية، ونشر الجيش اللبناني ببسط سلطته الحصرية على كامل التراب الوطني بتغطية دولية وعربية، وضمن اعتبار أن السيادة اللبنانية كلٌّ لا يتجزأ، ومسؤولية الدفاع عن الأرض وحماية المواطنين يجب أن تعود فوراً وبشكل حصري إلى منطق الدولة الحاضنة، والجيش الوطني الواحد، والمؤسسات الدستورية الشرعية، فهي الطوق الوحيد المتبقي لمنع الانهيار الكامل والدمار الشامل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى