أخبار عربيةالأخبار

احتقان غير مسبوق بالمغرب في قطاع المحاماة ينذر بشلّ المحاكم

يشهد قطاع المحاماة في المغرب واحدة من أكثر مراحله احتقانًا وتعقيدًا خلال السنوات الأخيرة، على خلفية الجدل الواسع الذي رافق مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، والتصريحات المثيرة للجدل الصادرة عن وزير العدل عبد اللطيف وهبي، والتي فجّرت موجة غضب غير مسبوقة داخل الجسم المهني.
هذا الاحتقان، الذي لم يعد خافيا على الرأي العام، بات يهدد بشكل مباشر السير العادي لمرفق العدالة، وينذر بتداعيات خطيرة على حقوق ومصالح المواطنين، وفق تأكيد ملاحظين، في ظل تلويح المحامين بشلٍّ كلّي للمحاكم.
ففي وقت كان ينتظر فيه المهنيون من وزارة العدل لعب دور الوسيط والحريص على التهدئة، اختار الوزير،بحسب تعبير جمعية «هيئات المحامين بالمغرب»، «صب الزيت على النار»، من خلال تصريحات وُصفت بغير المسؤولة والمنافية لآداب الممارسة السياسية، خاصة تلك التي أدلى بها من داخل قبة البرلمان. تصريحات اعتبرها المحامون مسيئة لكرامة المهنة ومكانتها الدستورية، وضربًا في العمق لدورها كشريك أساسي في تحقيق العدالة وضمان الحق في الدفاع.
وخلال جلسة تشريعية في مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان المغربي) خُصصت للمصادقة على عدد من مشاريع القوانين، أكد وزير العدل عبد اللطيف وهبي ضرورة منع المحامين الذين لم يُراكموا سنوات كافية من التجربة المهنية من الترافع أمام المحكمة الدستورية، مع التشديد في المقابل على أهمية تمكين المحامين الشباب من فرص حقيقية للتكوين والتأهيل.
وأوضح وهبي أنه يسعى إلى منح المحامين الشباب إمكانية التعرف العميق على القانون بمختلف مكوناته، بما يسمح لهم بإتقان كتابة المذكرات القانونية بشكل سليم. واعتبر أن من أكبر التحديات التي واجهها خلال مساره المهني، الممتد على مدى 32 سنة، كان إعداد مذكرة موجهة إلى المحكمة الدستورية.

وأشار إلى أن هذا النوع من المذكرات يتميز بطابع تقني صارم، ودقة عالية في الصياغة والتحديد، محذّرًا من أن أي خطأ فيها قد يؤدي إلى ضياع حقوق المتقاضين. وشدد على ضرورة استشعار جسامة المسؤولية المرتبطة بها، منتقدا في السياق ذاته مستوى بعض المذكرات المقدمة من طرف عدد من المحامين، حيث قال إن صياغتها تفتقر إلى الجدية والمهنية، مضيفا بلهجة حادة: لو كنت نقيبا لشطّبت عليهم.
رد فعل جمعية «هيئات المحامين» لم يتأخر، إذ أصدرت بلاغا شديد اللهجة نددت فيه بما اعتبرته انزلاقًا خطيرا في خطاب وزير العدل، وإخلالا بالاحترام الواجب لمهنة المحاماة. وأعلنت الجمعية، في خطوة تصعيدية واضحة، عن عزمها خوض أشكال احتجاجية غير مسبوقة، تصل إلى حد الشلل الكلي للمحاكم. وفي هذا الإطار، دعت إلى تنظيم وقفة احتجاجية عبر محافظات البلاد يوم الجمعة 6 شباط/فبراير المقبل أمام مقر البرلمان في الرباط، تعبيرًا عن رفضها لمشروع القانون ولسياسة التعاطي الأحادي التي تنهجها الوزارة.
ولم يقتصر التصعيد على الوقفات الرمزية، بل قررت الجمعية الاستمرار في تنفيذ «خطوات نضالية ميدانية»، من بينها التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية في أيام محددة، بالإضافة إلى التوقف لمدة أسبوع كامل ابتداء من 26 كانون الثاني/يناير الجاري. كما دعت كافة المحامين إلى الاستعداد لمرحلة أكثر حدة، عبر تجهيز ملفات مكاتبهم تحسبًا لتوقف شامل ومستمر عن العمل، في خطوة تعكس عمق الأزمة وانسداد قنوات الحوار.
جوهر الخلاف، كما تؤكد الجمعية، لا يقتصر على التصريحات، بل يمتد إلى مضمون مشروع قانون المحاماة ذاته الذي ترفضه بشكل مطلق. وترى أن المشروع جاء مُحمّلاً بمقتضيات تمس باستقلالية المهنة وهيئاتها، وتضرب في العمق الحصانة والحقوق المكتسبة المرتبطة بمهمة الدفاع، بما يهدد حق المواطن في الدفاع وفي المحاكمة العادلة. كما انتقدت الجمعية ما وصفته بالمقاربة غير الموضوعية لوزارة العدل، ومحاولة تحميل مهنة المحاماة مسؤولية أعطاب منظومة العدالة، عوض تشخيص الخلل الحقيقي في السياسات العمومية.
وفي سياق البحث عن دعم سياسي ومؤسساتي، استقبل الأمين العام لحزب «العدالة والتنمية» عبد الإله ابن كيران، مصحوبًا بنائبه إدريس الأزمي الإدريسي، ورئيس جمعية «محامون من أجل العدالة»، وفدًا عن جمعية «هيئات المحامين»، يتقدمه النقيب الحسين الزياني. وخلال هذا اللقاء، استعرض الوفد المهني ملاحظاته حول مشروع القانون، مسجلاً الإخلال الكبير بمنهجية المقاربة التشاركية، وعدم وفاء وزير العدل بالتوافقات السابقة، فضلاً عن «التراجعات الخطيرة» التي يحملها المشروع فيما يخص استقلالية المحامين وحريتهم في ممارسة مهام الدفاع.
وذكّر حزب «العدالة والتنمية» بمواقفه الرافضة لهذا المشروع، معتبرًا أن تمريره دون الأخذ بعين الاعتبار ملاحظات المهنيين يشكل خطرًا على مرفق العدالة، وقد يؤدي إلى تعطيله وضياع حقوق المتقاضين. وخلص اللقاء إلى أن الحكمة والمصلحة العامة تقتضيان سحب المشروع والعودة به إلى طاولة الحوار الجدي والمسؤول.
الاحتقان امتد أيضًا إلى المحامين الشباب، حيث عبّرت «فدرالية جمعيات المحامين الشباب بالمغرب» عن استيائها الشديد من تصريحات وزير العدل، وكذا من مضامين كلمة الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، معتبرة أن فيها إساءة صريحة للدفاع ولمهامه. وربطت الفدرالية هذه التصريحات بإحصائيات حول الطعون القضائية، رأت فيها لمزًا مبطنًا في كفاءة المحامين، خاصة الشباب منهم، وهو ما اعتبرته غير مقبول ولا يليق بخطاب المسؤولين.
وانتقدت الفيدرالية ما وصفته «تناغمًا مريبًا» بين هذه التصريحات، معتبرة أنه يعكس استهدافًا مباشرًا لمهنة المحاماة، ويضاف إلى مظاهر التضييق الممنهج عليها. وأكدت أن الأمن القضائي لا يتحقق بتقليص الطعون أو تحميل الدفاع مسؤولية اختلالات العدالة، بل بمحاربة الفساد، وتوحيد الاجتهاد القضائي، وضمان جودة الأحكام واحترام الحقوق الدستورية.
من جانبها، عبّرت «رابطة المحاميات والمحامين الحركيين» عن قلق بالغ إزاء التطورات المتسارعة التي تعرفها المهنة، في ظل استمرار الجدل حول مشروع القانون. وذكّرت الرابطة بمكانة المحاماة كرسالة إنسانية وشريك أساسي في ترسيخ دولة الحق والقانون، معتبرة أن أي مساس باستقلاليتها هو تضييق على حقوق الإنسان والحريات العامة.
وسجلت الرابطة أن المشروع في صيغته الحالية يمس بجوهر المهنة، ولا يستجيب لانتظارات المحامين الشباب، بل يكرس الهشاشة والإقصاء، ويحمل مخاطر حقيقية على حقوق المتقاضين والأمن القانوني. كما دعت إلى سحب المشروع، واعتماد مقاربة تشاركية حقيقية، تستند إلى مخرجات الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة لسنة 2013، والمعايير الدولية المؤطرة لمهنة المحاماة.

زر الذهاب إلى الأعلى