الجدل يتصاعد في مصر بشأن المناهج المطورة بالتعاون مع اليابان

تجلس لارا علي (7 أعوام)، التلميذة بالصف الثاني الابتدائي في إحدى المدارس الخاصة بالقاهرة الجديدة، أمام كتبها وواجباتها المدرسية محاولةً ملاحقة دروس الرياضيات التي تقول والدتها إنها تتوالى بوتيرة أسرع من قدرة ابنتها على الفهم والاستيعاب.
وبين شرح الدروس وأداء الواجبات والتقييمات المتكررة، تجد لارا نفسها أمام كم كبير من المحتوى الدراسي في وقت محدود، بينما تحاول أسرتها مساعدتها على تجاوز ما تصفه بأنه منهج غير مفهوم.
وتقول والدتها رحاب السيد -للجزيرة نت- إن الأمر لا يتعلق بصعوبة درس واحد، وإنما بحجم المنهج وسرعة تقديمه، موضحة أن الوقت المتاح للشرح لا يكفي، خاصة مع كثرة التقييمات والواجبات.
حكاية لارا ليست الوحيدة، لكنها تأتي ضمن شكاوى متكررة هذا العام من أولياء أمور ومدرسين وتلاميذ بشأن المناهج الجديدة التي تم تطويرها بالتعاون مع اليابان وتطبقها وزارة التربية والتعليم في المدارس. إذ يرى بعضهم أن كثافة المحتوى وسرعة الانتقال بين الدروس، إلى جانب تعدد التقييمات والتكليفات، تضع التلميذ والمعلم والأسرة أمام ضغوط تتجاوز مجرد صعوبة مادة دراسية بعينها.
وتتكرر الشكوى مع نانسي عادل، وهي ولية أمر لتلميذ بالصف الثالث الابتدائي، التي قالت -للجزيرة نت- إن مدرس نجلها شرح جدول الضرب كاملا خلال أسبوع واحد، ثم خضع التلاميذ لاختبار فيه، من دون وقت كاف -من وجهة نظرها- للتأكد من أن التلاميذ حفظوا الجدول وفهموه، خاصة أن طبيعة الأسئلة الجديدة تتطلب إتقان الجدول كاملا.
وزارة التعليم المصرية أعلنت -في سبتمبر/أيلول الماضي- تطوير 160 منهجا دراسيا لعام 2026-2027، من بينها مناهج الرياضيات والعلوم لصفوف المرحلة الابتدائية بالتعاون مع الجانب الياباني. وذكرت الوزارة وقتها أن التطوير يستهدف الانتقال من الحفظ والتلقين إلى الفهم والتحليل وحل المشكلات، موضحة أن تطوير المناهج يشمل أيضا أساليب التدريس والتدرج في اكتساب المهارات.
تدرج مفقود
ولا تقتصر شكاوى أولياء الأمور على كثافة المحتوى أو سرعة شرح الدروس، بل تمتد إلى طبيعة الأسئلة نفسها، ومدى ملاءمتها لما يتلقاه التلاميذ داخل الفصول. وتؤكد داليا معروف، وهي ولية أمر لتوأم بالصف الثالث الابتدائي، أن ما تقوله الوزارة عن عدم ضرورة حفظ جدول الضرب للإجابة عن الأسئلة الجديدة لا يتفق مع ما يواجهه الأطفال في الاختبارات، بحسب رأيها. وتشير إلى أن بعض الأسئلة تتطلب من التلميذ معرفة جدول الضرب بشكل مباشر.
وترى داليا أن المشكلة لا تتوقف عند جدول الضرب، وإنما تشمل طريقة بناء الأسئلة التي تصفها بأنها “مركبة” بالنسبة للأطفال، إذ تجمع أكثر من فكرة في الدرس الواحد، مما يزيد صعوبة التعامل معها، خاصة في المراحل الدراسية الأولى.
ومن زاوية أخرى، يربط علي حسن، وهو ولي أمر لتلميذين بالصفين الثالث والخامس الابتدائي، نجاح تطبيق المنهج الياباني بضرورة تطبيق المنظومة التعليمية المرتبطة به بصورة متكاملة، وليس الاكتفاء بتغيير المناهج فقط.
ويقول حسن إن ذلك يتطلب تجهيز المدارس وتدريب المعلمين بشكل جيد، حتى لا يتحول تطوير المناهج إلى “عبء وإرهاق” على الطلاب والمعلمين وأولياء الأمور.
فيما تقول داليا معروف إن شكاوى صعوبة المناهج أصبحت تتكرر كل عام، لكن الجديد هذا العام هو أن الشكاوى لم تعد مقتصرة على أولياء الأمور والتلاميذ، وإنما امتدت إلى المدرسين أنفسهم الذين يواجهون بدورهم صعوبة في شرح محتوى كثيف خلال الوقت المتاح.
تباين بين المعلمين
ولا تقتصر الانتقادات على أولياء الأمور، إذ يرى معلمون أن كثافة المناهج وتعدد التقييمات يستنزفان وقت المعلم على حساب الشرح والتدريب. وتقول معلمة الرياضيات في المرحلة الابتدائية بإحدى المدارس الحكومية شيماء محمد -للجزيرة نت- إن حجم المحتوى يفوق قدرة التلميذ على الاستيعاب، حيث تعدّ المناهج من وجهة نظرها أكبر بكثير من العمر العقلي للتلاميذ، فيما تستهلك التقييمات والواجبات وقتا كبيرا من المعلم على حساب الوقت المخصص للشرح.
ويشير معلم الرياضيات في إحدى المدارس الحكومية بمحافظة الجيزة علي مسعود إلى أن طريقة ضرب الأعداد الموجودة في المنهج لا تفيد الطالب فيما بعد، معتبرا -خلال حديث مع الجزيرة نت- أن طرق التدريس اليابانية تستخدم أكثر من إستراتيجية غير مطلوبة وغير مفيدة للطالب أيضا.
فيما ترى معلمة الرياضيات بإحدى المدارس الخاصة حورية محمد أن ترتيب المحتوى يمثل مشكلة، إذ يفترض منهج الصف الثالث الابتدائي أن التلميذ أتقن جدول الضرب في الصف الثاني، وهو ما لم يتحقق لدى كثير من التلاميذ.
وفي المقابل، يصف معلم الرياضيات عبد العزيز علي منهج الرياضيات الجديد في الصفين الثاني والثالث الابتدائي بأنه “رائع”، لكنه في الوقت ذاته يشير -للجزيرة نت- إلى أنه يتطلب العمل بنظام اليوم الكامل، على أن يتم تخصيص فترة كافية لشرح الكتاب المدرسي وأخرى مخصصة لكتاب التقييمات، لأن المسائل عن نفس الدرس مكررة في الكتابين، معتبرا أن المشكلة الوحيدة غير متعلقة بطبيعة المناهج بقدر ما تتعلق بعدم وجود وقت كافٍ للشرح والحل.
أما المسؤول الأول في وزارة التعليم عن المناهج فيرى أن الصعوبة التي يواجهها التلاميذ حاليا ترتبط بالانتقال من أسلوب التعلم القائم على الحفظ إلى منهج يعتمد على الفهم والتفكير. ويقول الدكتور أكرم حسن مساعد وزير التعليم لشؤون المناهج إن صعوبة المنهج ظاهرية.
وأعرب حسن عن توقعه أن تتراجع الشكاوى مع مرور الوقت واعتياد الطلاب على طريقة التعلم الجديدة. ويوضح أن الهدف من درس جدول الضرب مثلا -بحسب مناهج الرياضيات الجديدة التي أُعدت بالتعاون مع الجانب الياباني- هو فهمه بصورة جيدة، والوصول إلى الناتج من خلال العد المتكرر، وليس حفظ الأرقام أو جدول الضرب.
وأكد أن الوزارة تستمع إلى شكاوى أولياء الأمور والمعلمين وآرائهم بشأن المناهج الجديدة، وتضعها في الاعتبار، مع العمل على إيجاد الحلول المناسبة إذا استدعى الأمر ذلك.
مطالب سابقة لأوانها
وبينما ترى الوزارة أن صعوبة المناهج الجديدة ترتبط بالانتقال من أسلوب الحفظ إلى الفهم، يرى خبراء أن هناك الكثير من الزوايا لفهم الشكاوى. ويقول أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس الدكتور تامر شوقي -للجزيرة نت- إن الإحساس بصعوبة الرياضيات يرتبط باختلاف طريقة تقديم المنهج وصعوبة بعض المفاهيم، وحداثة أسلوب التدريس على المعلمين وأولياء الأمور، إلى جانب ضيق وقت الشرح واستمرار التقييمات.
ويشير شوقي إلى أن الرياضيات تعتمد أساسا على الفهم وتطبيق المعرفة في مسائل جديدة، وأن استيعاب الدروس الجديدة يتوقف على إتقان المهارات السابقة. ولذلك فإن الطفل عندما يواجه صعوبة في مادة الرياضيات فهذا لا يعني بالضرورة ضعفا في قدراته، بل قد يرتبط بطبيعة المادة وتراكم مهاراتها، إضافة إلى القلق والخوف من الخطأ.
وفيما يتعلق بمطالب تعديل المنهج، يرى شوقي أن الحكم على صعوبته بعد أسابيع قليلة من بدء تدريسه سابق لأوانه، وأن أي حذف أو تعديل ينبغي أن يستند إلى تقييمات واختبارات علمية بعد دراسة المنهج بصورة متكاملة، خشية التأثير في الأجزاء اللاحقة المرتبطة به.
منهج أجنبي بلا تمهيد
في المقابل، يذهب أستاذ علم النفس التربوي بجامعة القاهرة الدكتور عاصم حجازي إلى أن جانبا من المشكلة يعود إلى نقل مناهج صُممت لبيئات تعليمية مختلفة، دون إعداد التلميذ المصري مسبقا بالمهارات الذهنية اللازمة، مثل التفكير المنطقي والتحليلي وحل المشكلات.
كما يرى أن عدم كفاية تدريب المعلمين -إلى جانب الجمع بين أساليب يابانية في بعض المواد وطرق تقليدية في مواد أخرى- يخلق ازدواجية داخل البيئة المدرسية قد تقلل من فاعلية تطبيق المنهج.



