الأخبارأخبار عربية

هل ينقل قانون الأحزاب الجديد لبنان من الفوضى والطائفية إلى رحاب الدولة الحديثة

نبيل شحاده كاتب لبناني

تُعتبر الأحزاب السياسية عصب الديمقراطية الحديثة والشريان الحيوي لأي نظام سياسي يسعى لتمثيل المواطنين بشكل حقيقي وفعّال؛ ففي الفكر الديمقراطي البرلماني، لا تقتصر وظيفة الحزب على كونها مجرد تجمع انتخابي موسمي، بل تتعداها لتشكل “مختبراً فكرياً” لصنع السياسات العامة، وإنتاج البرامج الاقتصادية والاجتماعية، والجسر الحقيقي الذي يربط بين تطلعات المواطن وقرارات السلطة الحاكمة.

ومن أهم الأدوار الجوهرية التي تلعبها الأحزاب السياسية في بناء الدول واستقرارها، ما يلي:

تجميع المصالح: تحويل الرغبات الفردية والمختلفة للمواطنين إلى برامج سياسية واضحة وموحدة يمكن للمؤسسات الدستورية التعامل معها.

التنشئة السياسية والوعي: نشر ثقافة الحوار، وقبول الآخر، وتعزيز الانتماء الوطني العام والانخراط المدني.

التداول السلمي للسلطة: تقديم البدائل الحكومية الجاهزة، بحيث لا تتحول السلطة إلى مغامرة غير محسوبة، بل تكون نتاج خيارات تقوم على البرامج والخطط والمشاريع الواضحة أمام الناخبين.

المساءلة والرقابة: مراقبة أداء السلطة التنفيذية من خلال البرلمان وعبر الضغط الجماهيري، مما يحد من ظهور أي مظاهر للاستبداد والفساد.

ولذلك، في حال غياب الأحزاب، تتحول الحياة السياسية إلى تكتلات عائلية، أو عصبيات فئوية، أو صراعات طائفية ومناطقية تفقد الدولة صفتها المدنية والحديثة، وهو تماماً الواقع المخزي الذي يعيشه لبنان لعقود طويلة.

ولبنان لطالما عانى من قصور تشريعي في تنظيم الحياة الحزبية؛ إذ كانت الأحزاب السياسية تخضع شكلياً وقانونياً لقانون الجمعيات العثماني الصادر في 3 آب 1909. هذا القانون صُمم بالأصل للجمعيات الخيرية والتعاضدية والثقافية، وليس للكيانات السياسية الكبرى التي تلعب أدواراً خطيرة في اللعبة السياسية، وتتنافس على إدارة الشأن العام وصياغة الدستور والمشاركة في السلطة.

وأدى هذا الفراغ التشريعي إلى غياب الشفافية المالية التامة وغياب آليات محاسبة مصادر التمويل، وإلى سيطرة الكاريزما الشخصية والعائلية والإقطاع السياسي على الهياكل الداخلية للأحزاب، وحتى التحكم الكلّي بها وبنشاطاتها.

كما لعب المال السياسي والتمويل الخارجي أدواراً خطيرة في حرف الأحزاب عن مهماتها وواجباتها الوطنية إلى الانحياز لخيارات وتوجهات لا تصب بالضرورة في صالح القرار الوطني، إضافة إلى غياب المعايير الديمقراطية الداخلية لهذه الأحزاب التي تحوّلت إلى ممتلكات خاصة ومحميات لزعامات أبدية.

من هنا، يأتي اقتراح قانون جديد للأحزاب تقدّم به نواب “اللقاء الديمقراطي” إلى المجلس النيابي كمحاولة تشريعية ولو متأخرة لنقل الحياة السياسية في لبنان من فوضى العصبيات والطائفية إلى رحاب واسعة لدولة القانون والمؤسسات، وهذا كله في حال سلك طريقه إلى الدراسة في أروقة المجلس النيابي، وتمكن من تخطي الخلافات داخله.

وفي قراءة سريعة لهذا الاقتراح، نسجل الملاحظات الآتية:

يجدد اقتراح القانون العمل بما هو قائم حالياً من حق اللبنانيين (بحد أدنى 50 شخصاً) بتأسيس حزب وفق شروط مدنية واضحة، معتمداً آلية “العلم والخبر” المقدم لوزارة الداخلية، وبحيث يُعتبر الحزب قائماً حكماً إذا انقضت مهلة 5 أيام عمل دون تبليغ المؤسسين بوجود نواقص قانونية. كما حصر القانون صلاحية حل الحزب حصراً بالقضاء العدلي.

يُلزم اقتراح القانون الأحزاب بأن تتمتع بطابع وطني جامع، ويحظر قيامها على أساس ديني، مذهبي، مناطقي، أو عائلي (المادتين 5 و8). كما يفرض انتشاراً فعلياً في جميع المحافظات (المادة 9). ويحظر منعاً باتاً امتلاك السلاح أو استخدام العنف أو التهديد به (المادة 6)، ويمنع تلقي أي تمويل خارجي (المادة 45).

هذه البنود يمكن أن تشكّل خريطة طريق رصينة لانطلاق بناء دولة عابرة للتقسيمات الطائفية، وترسم مدخلاً حقيقياً لحماية السلم الأهلي اللبناني ومنع الانزلاق نحو صراعات مسلحة داخلية.

وهنا يُطرح السؤال: ماذا بالنسبة للأحزاب القائمة ومشاريعها الطائفية والمناطقية وحتى ارتباطاتها الخارجية، وما تشكله من أخطار على الحياة السياسية وتزرع في ممارساتها ألغاماً متفجرة تعرّض لبنان إلى تكرار مميت للتجارب التاريخية السابقة.

ويفرض القانون آليات ديمقراطية داخلية لانتخاب القيادات وتداولها دورياً (المواد 11-14). والأبرز هو فرض نسب تمثيل لا تقل عن الثلث للنساء، والثلث للشباب لمن هم دون الخامسة والثلاثين في الهيئات القيادية (المادة 17)، وهذه المواد قد تمثّل انقلاباً أبيض على البنى الإقطاعية والوراثية التقليدية السائدة في الأحزاب اللبنانية. إعطاء الشباب والنساء ثقلًا تمثيليًا ملزمًا سيساهم بضخ دماء جديدة ورؤى معاصرة داخل الأحزاب، ويقضي على ظاهرة “الزعيم الأبدي” والعجوز الحي والولاءات المطلقة.

يلزم اقتراح القانون الأحزاب بفتح حسابات مصرفية، ومسك سجلات محاسبية دقيقة، وتقديم تصريحات سنوية، وإخضاع الحسابات لتدقيق مالي مستقل، مع فرض عقوبات متدرجة تبدأ بالتنبيه، وتتدرج إلى الغرامات، وتعليق النشاط، وصولاً إلى الحل القضائي ومصادرة الأموال لصالح الخزينة العامة في حال المخالفات الجسيمة (المواد 42-62).

هذه المواد تؤكد أن الشفافية المالية هي المعيار الفيصل بين الأحزاب الحقيقية التي تخدم المصلحة العامة وبين الدكاكين السياسية الممولة لأجندات خارجية، وتقفل بطبيعة الحال الباب أمام غسيل الأموال والتمويل السياسي الانتخابي الأسود ومجهول المصدر.

باختصار، لبنان يحتاج إلى قانون أحزاب جديد ينقل الصراع من الشوارع والأحياء إلى المؤسسات الدستورية عبر تنظيم العمل السياسي بقواعد ديمقراطية واضحة وترسيخ منطق الدولة، ويجفف منابع الوصاية الخارجية، ويحظر التمويل غير الشرعي والتبعية السياسية لبعض الأطراف للخارج، ما يعزز الاستقلال الوطني ويحمي التنوّع الداخلي وقرار الدولة السيادي.

أي قانون جديد، يجب أن يكون أحد أهم أهدافه كسر احتكار القيادات التاريخية، وإشراك النساء وجيل الشباب في إحداث تغيير جدي في بنية النظام السياسي اللبناني المتهالك والمتأزم منذ عقود طويلة.

يبقى أن نقول إن أي قانون جديد للأحزاب يتطلب وجود سلطة قضائية عليا شجاعة ونزيهة قادرة على تطبيق العقوبات ومحاسبة المخالفين دون خضوع للضغوط السياسية والطائفية، واقتران هذا التشريع بإصلاح حقيقي للقضاء اللبناني وتحريره من المحاصصة، سيشكل نقطة التحول الكبرى التي يحلم بها غالبية اللبنانيين نحو بناء الدولة الديمقراطية الحديثة في لبنان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى