4 صدمات متزامنة تضرب الاقتصاد المصري

اجتمعت مؤخرا 4 صدمات على الاقتصاد المصري الذي يعاني من أزمات هيكلية وبنيوية خطيرة، في توقيت تزامن مع ضغوط خدمة ديون خارجية تجاوزت معدل 166.45 مليار دولار، بجانب تداعيات أوضاع إقليمية صعبة مع حرب إيران والمواجهات العسكرية بين السعودية وجماعة أنصار الله الحوثيين في اليمن.
وخلال أيام قليلة تعدى سعر صرف الدولار مقابل الجنيه رسميا معدل 56 جنيها، وتابع تخارج المستثمرين الأجانب من البورصة الأمر الذي أدى لوقف التداول على جلسات الأحد وسط خسائر كبيرة، إضافة إلى هروب جديد ضمن سلسلة هروب الأموال الساخنة من سوق الدين الحكومي، مما سبقه وصول سعر البترول إلى معدلات قياسية، مما يشكل ضغوطا هائلة تنذر بأزمات جديدة على 109.6 مليون مصري في الداخل.
وضع سيئ للجنيه وسيناريو أسوأ
وواصل سعر الدولار تسجيل رقم قياسي جديد مقابل الجنيه ضمن حملة صعود متتال حيث سجل الاثنين، في بنك مصر نحو 55.95 جنيه للشراء و56.05 جنيه للبيع، بزيادة 20 قرشا عن سعر الأحد، وبزيادة حوالي 74 قرشاً مقارنة بمستويات تعاملات الخميس الماضي، ومرتفعا من مستوى 51.71 جنيه للشراء و51.85 جنيه للبيع، قبل شهر في 26 أيلول/سبتمبر الماضي، ومتخطيا أعلى معدل وصل إليه رسميا والبالغ 54.73 جنيه في 7 نيسان/أبريل الماضي.
وبحسب موقع “المال” الاقتصادي، فإن أزمة تفاقم معدلات سعر الصرف، دفعت وكلاء سيارات مصريين لوقف بيع الطرازات الرائجة في السوق حتى تتكشف الأوضاع، الأمر الذي دفع 3 مصانع للحديد هي: (عز) و(السويس للصلب) و(المراكبي)، لإعلان رفع أسعار حديد التسليح بين 1200 للأولى و1700 جنيه للطن للثانية والثالثة، دفعة واحدة، الأحد.
ويتوقع خبراء سيناريوهات سيئة للعملة المحلية، بينها ما يؤكد عليه الأكاديمي المصري الدكتور علي عبدالعزيز، بأن “المستويات خلال الشهور والسنوات القادمة ستكون فوق 60 و70 وحتى 100 جنيه وأكثر”، وفق توقعه عبر فيسبوك، مشيرا إلى توقعه السابق منذ عام 2022 بوصول الدولار إلى 50 جنيها.
الأموال الساخنة.. والإضرار بمصر
ويأتي تراجع قيمة الجنيه مقابل الدولار ، بحسب محللين في ظل ضغط خروج المستثمرين الأجانب من أذون الخزانة أو ما يطلق عليه (هروب الأموال الساخنة)، مع ارتفاع فاتورة استيراد السلع الأساسية في ظل ارتفاع سعر البترول عالميا.
ووفق نشرة “إنتربرايز” المحلية، باع المستثمرون الأجانب والإقليميون أدوات دين محلية بصافي بلغ 1.13 مليار دولار بين الاثنين والأربعاء من الأسبوع الماضي، فيما بلغت معاملات الإنتربنك لتمويل التخارجات من سوق الدين الثانوية 3.1 مليار دولار خلال الأسبوع.
وبلغت استثمارات الأجانب في أذون الخزانة المصرية نحو 55.1 مليار دولار بنهاية حزيران/يونيو، فيما سجل المستثمرون العرب والأجانب صافي مبيعات بنحو 1.83 مليار دولار في أدوات الدين الحكومية، أيام الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس من الأسبوع الماضي، في توقيت انعقاد “منتدى مصر 2026″، حول الإنجازات الحكومية والذي افتتحه واختتمه وشارك في فعالياته رئيس النظام عبدالفتاح السيسي.
وهنا يقول أستاذ التمويل الدكتور السيد الصيفي: “خروج الأموال الساخنة ليس حركة عشوائية، بل معادلة دقيقة تحكمها تكلفة التأمين الخارجي وحجم الالتزامات المستقبلية للدولة، وأيضا تُستخدم للإضرار بمصلحة البلد”، مؤكدا أن “الحل في تحركات البنك المركزي لتعزيز أدوات التحوط الرسمية وزيادة مرونة الاقتصاد الحقيقي”، مبينا أن هذا حائط الصد الأساسي الذي يحد من التوقعات السلبية لأسواق المشتقات العالمية ويعيد ضبط بوصلة الاستثمار.
وبفعل المواجهات العسكرية الجارية بين السعودية وجماعة أنصار الله الحوثيين في اليمن، ارتفع سعر النفط من معدل 75 إلى 115 دولار بزيادة نحو 40 دولارا للبرميل، ما يزيد العبء على الموازنة المصرية بنحو 160 مليار جنيه، التي بلغت وارداتها من البترول والغاز 24.9 مليار دولار، مقابل صادرات بترولية 6.6 مليار، بعجز قدره 18.3 مليار دولار، حسب بيانات ميزان المدفوعات.
جلسة دامية وخسائر سوقية
وفي “جلسة دامية” شهدها سوق الأوراق المالية الأحد، وفق وصف نشرة “إيكونمي بلس” الاقتصادية، أوقفت إدارة البورصة المصرية الكائنة في القرية الذكية بطريق (القاهرة- الإسكندرية) الصحراوي، التداول لمدة نصف ساعة لأول مرة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2021.
وذلك وسط خسائر سوقية بنحو 171 مليار جنيه، إثر تراجع مؤشر “EGX100 EWI” بنسبة 10 بالمئة، وتراجع مؤشر “EGX30” بنسبة 3.56 بالمئة، الأحد، إلى أدنى مستوياته منذ مطلع نيسان/أبريل الماضي، في ظل صافي بيع للأفراد الأجانب بنحو 80.2 مليون جنيه، وللمؤسسات الأجنبية بنحو 1.4 مليون جنيه.
وتتزامن تلك الأزمات مع وصول بعثة صندوق النقد الدولي للقاهرة الأحد، لإتمام المراجعة الثامنة والأخيرة لقرض المليارات الثماني والذي ينتهي هذا العام، وسط إجراءات يجب أن تتخذها القاهرة من بينها: التخارج من أصول الدولة، وخفض دعم الطاقة، ومرونة سعر الصرف، وذلك للحصول على شريحة أخيرة مقدرة بـ 1.5 مليار دولار، و800 مليون دولار من برنامج تسهيل الصلابة والاستدامة.
تزامن مثير مع منتدى مصر
أيضا تتزامن تلك الأزمات مع “منتدى مصر 2026″، الذي دشنه رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، بين 19 و24 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، وعرضت فيه الحكومة ولمدة 6 أيام إنجازات 12 عاما في جميع المجالات، بينما لم تشفع تقارير الوزارات وتصريحات المسؤولين ومناقشات حضور المنتدى، في وقف تلك الأزمات أو منع تصاعدها، بحسب خبراء.
وأشار أستاذ الاقتصاد في جامعة الأزهر، الدكتور علي عبدالعزيز، لتزامن أزمة تفاقم سعر صرف الدولار وتراجع البورصة وهروب الأموال الساخنة مع المنتدى، حيث قال: في وقت نعرض فيه فرص الاستثمار والإنجازات، الدولار يزيد، والأسهم تخسر، وأموال أجنبية تخرج من أدوات الدين.
وفي قراءته الاقتصادية، عبر صفحته بـ”فيسبوك”، أوضح أن هذا معناه أن السوق يضع نتائج السياسات الاقتصادية تحت الاختبار في ظل التحديات العالمية؛ لأن المستثمر لا يقيس الثقة بالكلام والمؤتمرات، لكنه يقيسها باستقرار العملة، وحركة الأموال، وتكلفة التمويل، والعائد الحقيقي على الاستثمار.
وضع لا يطمئن أي مستثمر
وحول سر تزامن أزمات ارتفاع الدولار، وتخارج الأجانب من البورصة، وهروب الأموال الساخنة، قال رئيس تحرير جريدة “الشعب” السياسي المصري مجدي أحمد حسين، إن أخطر الأحداث الاقتصادية تجري لأسباب سياسية”، مبينا أن الأوضاع السياسية هي سر هذا التزامن.
شيخ الصحفيين المصريين، أشار إلى الإعلان المفاجئ للرئيس أنه سيغادر الحكم في 2030 وأنه لن يتم تغيير الدستور لأجل بقائه، ومفاجأته الثانية حول اختيار الرئيس القادم عبر برنامج تدريبي بالأكاديمية العسكرية الأمر الذي لم يلق ارتياحا في الأوساط السياسية، ثم إعلانه إرسال قوات عسكرية للسعودية واحتمالات ذهاب قوات مصرية للحرب.
وأكد أن الموضوعات الثلاثة تأثيراتها أكبر من أي عوامل اقتصادية أخرى، مبينا أن “تزامنها فاقم الأزمة الاقتصادية الحالية”، ملمحا إلى أن الإعلانين الأول والثاني أعطيا إشارة بأن النظام يمر بأزمة، لأنه بالفعل لديك دستور وهناك موعد يجب فيه تسليم السلطة، كما أن الذهاب إلى مستنقع اليمن له ثمنه الاقتصادي والسياسي والعسكري.
وفي رؤية الكاتب المهتم بالملف الاقتصادي وصاحب مؤلف “الاستقلال والتنمية الاقتصادية”، فإن “هذا وضع لا يطمئن أي مستثمر، وهذه أحداث خلقت حالة من الفزع لدى رجال الأعمال من الخارج”، مبينا أن “هذه إحدى نتائج خطورة اعتماد الاقتصاد المصري على الأموال الساخنة، المعروف أنها عند أي منعطف ومخاوف وتهديد للأرباح تنسحب فورا”، لذلك أكد أنه من الخطر الاعتماد عليها خاصة مع وصولها إلى رقم كبير يصل حتى 55 مليار دولار في سوق الدين الحكومي.
حدود تفاقم الأزمة
ومع وصول الدولار في كانون الثاني/يناير 2024 إلى 70 جنيها في السوق السوداء يقول خبراء إنه قد يصل رسميا إلى 70 جنيها نهاية العام الحالي أو بداية العام المقبل، ما يشير إلى زيادة حدود تلك الأزمات وتأثيراتها على الاقتصاد والمواطنين، قال حسين، إن الاقتصاد يقف على الحافة وارتفاع الدولار كان متوقعا بشكل دائم.
وبين أن جوهر الأزمة الاقتصادية التي لا يتحدث فيها كثيرون ويتحدث فيها البعض دون أن يسمعهم أحد، أن الاقتصاد يقوم على الإنتاج بينما الاقتصاد لديك يتراجع، وهناك مصانع تُغلق، والعمل الزراعي يتقلص مع العوائق، ومع الإنتاج المتراجع تعتمد على تحويلات المصريين في الخارج ودخل قناة السويس.
وأكد أن هذا وضع لا يمكن أن يستقر فيه الجنيه أو يحافظ على قيمته، مبينا أن عجز الميزان التجاري كان نحو 11.4 مليار دولار عام 2014، ووصل 64.8 مليار دولار العام المالي (2025/2026)”، ملمحا إلى أن “العجز التجاري يعطي مؤشرا على الحالة الاقتصادية”، قائلا: “أنت لا تنتج وتستهلك ضعف ما تنتج وما تفعله من بيع للأصول يماثل ما يفعله الشخص المفلس ببيع عفش بيته.
الكاتب الذي يهتم بقضايا الاستقلال الاقتصادي، والتنمية في مصر، قال إنه “من الملفت للنظر أنك ضعيف أمام وعود صندوق النقد الدولي؛ فهو ما يضغط أيضا وبقوة نحو ذلك مقابل الشريحة الأخيرة من قرض المليارات الثمانية، ويطلب مزيدا من المرونة في سعر الصرف”، ملمحا إلى أن هذه ليست المشكلة الأساسية ولكنها مجرد ظواهر تؤكد أنك اقتصاد غير معتمد على نفسه ما يزيد الخضوع لطلبات الصندوق بخصوص ما يسمى بالمرونة في سعر الصرف، وبيع الأصول وخفض الدعم.
وحول تأثير الأزمات الثلاث إلى جانب ارتفاع سعر البترول على الاقتصاد المصري والمصريين خاصة مع ضغوط الوضع الإقليمي، يرى رئيس حزب “العمل” ثم حزب “الاستقلال”، أن الوضع الإقليمي ليس الأساس لأنك قبله كنت تقوم أيضا ببيع الأصول وهي إحدى مطالبات الصندوق الذي يقول ببيع الأصول صراحة لسداد الديون ويسميها مصادر التمويل.
وحول ما يثار عن عدم نجاح التصريحات الحكومية خلال “منتدى مصر” في وقف تلك الأزمات أو التقليل من حدتها، أكد أنه كان من الممكن أن يكون للمنتدى فائدة أكبر، غير تأييد الحكومة وإثبات إنجازات لا يراها المصريون.
ويعتقد أنه أمر لا يمثل فضيحة، حيث إن دولا عدة قامت بتلك الخطوة، ودول أوروبية كثيرة تعاني الآن من آثار الديون مثل فرنسا وإيطاليا وغيرهما، مؤكدا على ضرورة وقف دفع أقساط وفوائد الديون والذهاب إلى (نادي باريس)، ووقف الاستدانة الجديدة وكذلك الاستيراد غير الضروري، موضحا أن هناك مجموعة إجراءات لو تم اتخاذها سيتحسن الوضع.
واستدرك قائلا: لكن الاستيراد يزيد في أمور غير ضرورية، والمشروعات الكبرى تتواصل حد الإعلان في 8 تشرين الأول/أكتوبر الجاري عن تدشين شركة (هيونداي روتم) الكورية الجنوبية قطار هيدروجيني بالعاصمة الجديدة، وكل يوم قروض جديدة لأمر غير ضروري، يقابلها بيع أراض استراتيجية وأصول عامة وحيوية، آخرها ما أثير حول بيع مبنى وزارة الخارجية على كورنيش نيل القاهرة.
وختم حديثه مبينا أن هذه ليست تصرفات اقتصادية، لكن المشكلة أنه لا أحد يستمع، ولذلك أدعو النخبة المستقلة أن تجتمع وتقدم أي ورقة يقترحونها، محذرا من أن مصر في حالة انهيار اقتصادي وسياسي، متسائلا: وإذا لم تتحرك النخبة الآن لبلورة البديل ووضع برنامج وطني اقتصادي بديل، فمتى تتحرك؟
(((أكيد السيسي فرحان جدا، ولو كان الأمر بيده لاعتبر مناسبه تدمير الاقتصاد المصري عيد وطني، فجهوده لم تذهب سدا، بل حققت بعض المكاسب لليهود))).



