أثارت غياب رئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي، عن المشاركة بـ”الجمعية العامة الأمم المتحدة” في نيويورك 22 أيلول/سبتمبر الجاري، وللعام الخامس على التوالي، الجدل والتكهنات والتساؤلات، خاصة في ظل التداعيات الإقليمية للحرب الأمريكية على إيران، وتصاعد المواجهات العسكرية بين السعودية والحوثي في اليمن وما خلفها من تبعات تطال مصر.
ويأتي غياب السيسي عن المحفل العالمي، بينما كان يحرص على الحضور إلى “عاصمة العالم” التي يطلق عليها “التفاحة الكبيرة” في الثلاثاء الثالث من أيلول/سبتمبر بين أعوام 2014 و2019، حيث شارك شخصيا في 6 اجتماعات متتالية للجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك.
الأمر الذي اختلف في عامي 2020 و2021، حيث ألقي السيسي، كلمتين عبر “تقنية الفيديو” في الاجتماعين الافتراضيين الذي فرضتهما جائحة “كورونا”، لكنه ومنذ العام 2022 وحتى الدورة الحالية، غاب عن الحضور المباشر، وأناب عنه رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، ووزير الخارجية السابق سامح شكري ثم الحالي بدر عبدالعاطي.
ويرجع محللون هذا الغياب المتكرر إلى فتور علاقات السيسي، مع الإدارة الأمريكية السابقة للرئيس جو بايدن (2021-2025)، ولتفادي تظاهرات المعارضة المصرية أماl مقر إقامته في نيويورك، وتجنب الضغوط الإعلامية حول انتهاكات حقوق الإنسان وملف المعتقلين السياسيين، ولكن إصرار السيسي على الغياب هذا العام رغم الأوضاع الإقليمية أثار انتباه كثيرين.
دورة في ظروف غير عادية
التخلف المتتالي للسيسي، عن الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة؛ يأتي بينما هو وقبل 10 أيام من أكبر حدث دبلوماسي في العالم، شارك في أعمال القمة الـ18 لمجموعة “بريكس” بالعاصمة الهندية نيودلهي 12 أيلول/سبتمبر الجاري، والتقى الرئيسين الروسي، والإيراني، ورئيس الوزراء الهندي، وغيرهم من القادة.
وفي غيابه عن المنصة العالمية الأبرز لتجمع قادة وزعماء العالم، وفي الدورة الحالية، اجتمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بممثلي 12 دولة عربية وإسلامية، هم قادة: تركيا، وقطر، والأردن، وسوريا، ومسؤولين رفيعي المستوى من بلدان: السعودية، والإمارات، والكويت، والبحرين، وعمان، والعراق، ولبنان، بجانب رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي.
ويجيء احجام السيسي، عن الحضور إلى نيويورك، وخسارة فرصة اللقاء المحتمل مع ترامب، منفردا، أو شبه المؤكد وسط المجموعة العربية والإسلامية، في ظل ترحيب الإدارة الأمريكية بوجود مصر في ترتيبات إقليم الشرق الأوسط الأمنية والعسكرية.
وقبل يومين من اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، التقى مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية “CIA” جون راتكليف، السيسي، الأحد، في زيارة وصفتها وكالة “فرانس برس”، بـ”النادرة” إلى القاهرة، لمناقشة ملف حرب إيران، ووضع دول الخليج، والتصعيد العسكري بين الحوثي والسعودية، وتهديدات الأمن البحري في مضيقي “هرمز”، و”باب المندب”، وأزمات قطاع غزة، والسودان، ليخرج راتكليف، حينها مشيدا بدور مصر “المحوري”، في التسويات السلمية للأزمات الإقليمية.
في لقاء آخر، سبق اجتماعات نيويورك بأسبوع، شاركت قيادة عسكرية مصرية في اجتماع سري كشف عنه موقع “أكسيوس” الأمريكي، 15 أيلول/سبتمبر الجاري؛ جمع قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، الأدميرال براد كوبر، ورئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي إيال زامير، بـ7 قيادات عسكرية عربية من: (مصر، والسعودية، والإمارات، والأردن، وقطر، والبحرين، والكويت)، ما يشير للحضور المصري القوي في الترتيبات الأمريكية في الإقليم.
ولذلك تساءل مصريون: كيف يغيب السيسي في هذا الوقت المضطرب ووسط الأزمات المتشابكة في الإقليم بـ(إيران، والخليج العربي، وباب المندب، والانتهاكات الإسرائيلية، وقطاع غزة، والسودان، وملف مياه النيل) وعقب زيارة مدير “CIA” للقاهرة والاجتماع العسكري السري مع قائد (سنتكوم)، عن كواليس أكبر تجمع عالمي في نيويورك والذي يشهد التوافقات والتواؤمات السياسية والاستراتيجية مع الإدارة الأمريكية؟
هل توجد نقاط خلاف مصرية أمريكية؟
وبعيدا عن التساؤل السابق، والصورة التي تشير لتمسك أمريكي بالحضور المصري العسكري والأمني بأزمات الإقليم، فإنه على الجانب الآخر، يرى مراقبون أن هناك العديد من التباينات بين الإدارتين المصرية والأمريكية، حاليا.
وتوقعوا أن يكون غياب السيسي، لتحاشي المواجهة المباشرة مع ترامب، والضغوط التي قد يتعرض لها لتنفيذ مطالبات لا يستطيع تحقيقها، في ملفات عديدة بينها، خطط ترامب بشأن قطاع غزة، أو المشاركة إلى جانب واشنطن في الحرب على إيران.
وتبدو القاهرة في حالة تريث شديد إزاء مطالبات خليجية للمشاركة في الحرب ضد إيران، وبالطبع إلى جوار واشنطن، فيما لم تشارك في “حلف مكة” الدفاعي الموقع بين السعودية وتركيا وباكستان 7 آب/أغسطس الماضي، ما جنبها مواجهة عسكرية مباشرة مع الحوثي الذي أسفرت تحركاته العسكرية الشهر الجاري عن سيطرة شبه كاملة على مضيق “باب المندب” بالمدخل الجنوبي للبحر الأحمر، بما يهدد الملاحة في قناة السويس.
وفي هذا السياق، تشهد علاقات القاهرة وواشنطن مؤخرا حالة من التوتر نادر الحدوث، والتي بدت في فرض وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على أفرع “بنك مصر” في الإمارات 28 آب/أغسطس الماضي، بدعوى تمويل الحرس الثوري الإيراني، وكذلك في إعلان توسيع الشراكة العسكرية والدفاعية الأمريكية الإثيوبية 20 آب/أغسطس الماضي، وذلك في موقف مغاير لمواقف ترامب من ملف مياه النيل والاعتراف بحق مصر فيها 16 كانون الثاني/يناير الماضي.
وتبدو التباينات الأمريكية المصرية، أيضا في ملف التسليح العسكري، حيث ترفض واشنطن إمداد مصر بأسلحة تمنحها التفوق النوعي على كيان الاحتلال وخاصة منع تحديث سلاح الجو المصري بالنسخ الأحدث من طائرات “F16″، ورفض الكونغرس منذ العام 2022 تمرير صفقة طائرات (F 15) للجيش المصري.
وفي المقابل، استخدمت واشنطن أسلحة الضغط السياسي والتهديد بعقوبات قانون “كاتسا” ومنع المعونة الأمريكية البالغة 3 مليارات دولار وبينها العسكرية 1.3 مليار دولار، لإثناء مصر عن صفقات لها تأثيرها مثل “SU 35” الروسية عام 2019، طائرات “J-10CE” الصينية في تشرين الثاني/نوفمبر 2025.
ولرفض أمريكي لتزويد مصر بصواريخ “AIM 120” لطائرات “F16” التي يعتمد عليها سلاح الجو المصري منذ سنوات؛ لا تمتلك مصر صواريخ للاشتباك الجوي وراء مستوى الرؤية.
وفي صفقة عسكرية هي الأحدث، وقد تلقى رفضا أمريكيا إسرائيليا، كشفت مجلة (Europäische Sicherheit & Technik ES&T) الألمانية، أن فرنسا وافقت على توريد صواريخ (جو-جو) بعيدة المدى من طراز “ميتيور” لتسليح مقاتلات “رافال”، والذي حظرت واشنطن تصديره إلى مصر بعد شرائها صفقة الرافال عام 2015.
قرار سياسي محسوب
وفي تقديره لأسباب ودلالات وتداعيات غياب السيسي في هذا الوقت المضطرب عن اجتماعات الأمم المتحدة، قال السياسي والبرلماني السابق الدكتور محمد عماد صابر: هو غياب لا يمكن تفسيره بسبب واحد، ولا توجد حتى الآن معلومة رسمية تربطه بأزمة داخلية أو تخوف من اضطرابات اجتماعية.
عضو لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشعب المصري سابقا يرى أن الأزمة الاقتصادية والضغوط المعيشية والتوتر الاجتماعي في مصر قد تكون حاضرة في حسابات السلطة، لكن لا توجد قرائن كافية تجعلها السبب المباشر للغياب.
ويعتقد أن الأكثر دلالة هو الظرف الإقليمي شديد الحساسية؛ فمصر تقع الآن في قلب ملفات إيران واليمن والبحر الأحمر وغزة والسودان، وهي ملفات تمس أمنها القومي وقناة السويس مباشرة.
ولفت إلى أن السيسي وقبل أيام من اجتماعات نيويورك وهو يدير لقاءات سياسية وأمنية من القاهرة، ومنها لقائه بمدير الـCIAجون راتكليف 20 أيلول/سبتمبر الجاري لبحث العلاقات والقضايا الإقليمية والدولية، وفي الوقت نفسه كان وزير الخارجية بدر عبدالعاطي في نيويورك يشارك في مباحثات مرتبطة باليمن وأمن الملاحة والتطورات الإقليمية.
لذلك يميل السياسي المصري، إلى أن الغياب قرار سياسي محسوب، والبقاء في القاهرة لإدارة اللحظة الإقليمية، مع تفويض رئيس الوزراء ووزير الخارجية بتمثيل مصر في نيويورك، وربما أيضًا لتجنب وضع السيسي شخصيًا في قلب تفاهمات وضغوط أمريكية وإقليمية شديدة الحساسية.
يرى أن القول إن وراء ذلك الغياب توقعات باضطرابات داخل مصر، فهو احتمال يستحق المتابعة في ضوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، لكن لا توجد حتى الآن أدلة تسمح بالجزم به، معتقدا أن العامل الإقليمي يبدو في اللحظة الراهنة أقوى تفسيرًا من العامل الداخلي، مع احتمال أن تكون الحسابات الداخلية جزءًا من الصورة وليست وحدها سبب القرار.
الحفاظ على هامش الحركة
وأشار إلى جانب الحفاظ على هامش حركة بين المحاور، موضحا أن القاهرة تتعامل في الوقت نفسه مع الولايات المتحدة والخليج وإيران وتركيا وروسيا والصين، وفي لحظة استقطاب شديدة حول إيران، قد يكون خفض مستوى المشاركة وسيلة للإبقاء على قدر أكبر من المرونة، خصوصًا أن أزمة إيران والحرب الإقليمية تتصدر لقاءات نيويورك حاليًا.
وألمح في نهاية حديثه إلى احتمال وجود حسابات مصرية خاصة في العلاقة مع إدارة ترامب، مبينا أن العلاقة ليست قطيعة، بل تابعة، والسيسي يرى أن الاتصالات الثنائية المحسوبة على الظهور في اجتماع واسع قد يضع عليه ضغوطًا أو التزامات في ملفات لا يريد حسمها علنًا.
وخلص للقول: لا توجد قرائن كافية للقول إن السيسي غاب خوفًا أو بسبب أزمة سرية مع واشنطن، والقراءة الأكثر اتساقًا هي أن الغياب قرار سياسي يقوم على انتقائية الحضور، وتقليل الانخراط المباشر في تفاهمات إقليمية حساسة، مع إبقاء مصر ممثلة رسميًا دون وضع السيسي شخصيًا في قلب الالتزامات والمساومات الجارية في نيويورك.
وختم مؤكدا أنه في المقابل، لهذه السياسة كلفة؛ لأن غياب السيسي يقلل قدرته على التأثير المباشر في الترتيبات التي تناقش الآن.
توازن لا يغضب الحلفاء
ومنذ اندلاع الحرب “الأمريكية-الإسرائيلية” على إيران، وانتقال آثارها على دول الخليج العربي، تواجه القاهرة، أزمة بين حرصها على عدم التورط في صراع مباشر مع إيران، وقوات الحوثي في اليمن، وبين السعي لعدم إغضاب الحليف الأمريكي، والداعم الخليجي، ولذا قامت مع قطر سابقا وتقوم الآن بجانب باكستان وتركيا بدور الوساطة بين الفرقاء.
لم تخرج القاهرة عن تلك الدائرة إلا بتقديم مفرزة من القوات الجوية لدولة الإمارات، جرى الكشف عن وجودها في أيار/مايو الماضي، لكنه، كشفت تقارير صحفية الثلاثاء، عن طلب مماثل لولي العهد السعودي محمد بن سلمان، قوبل بترحيب السيسي، الذي وجه بإرسال مفرزتين جويتين من طائرات “رافال”، وتشكيلات من قوات الدفاع الجوي للرياض، دون الانخراط في مهام هجومية باليمن أو إرسال قوات برية أو تحريك قطع بحرية نحو باب المندب.

