جوزاف عون في قصر بعبدا: على خطى أسلافه في بلد لا يتغير

نبيل شحاده كاتب لبناني
تتزايد في الأوساط اللبنانية التقديرات التي تعتبر أن عهد الرئيس جوزاف عون قد بلغ نهايته عملياً، قبل أن تنتهي سنواته الدستورية. فحين فُتحت أبواب قصر بعبدا أمام العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية اللبنانية في مطلع عام 2025، وتزامن ذلك مع تكليف القاضي والدبلوماسي نواف سلام تشكيل الحكومة، خيّم على البلاد مناخ استثنائي بامتياز من الانفراج والتفاؤل. قوبل انتخاب عون بترحيب شعبي وسياسي واسع غير مسبوق متجاوزاً الاصطفاف التقليدي؛ إذ رأت فيه شريحة عريضة من اللبنانيين مخرجاً من نفق الفوضى والفراغ والشلل في المؤسسات، بعد أن كان شخصية عسكرية في مؤسسة طالما حظيت باحترام وطني وتقدير شعبي عارم.
علّق اللبنانيون على ثنائية عون وسلام آمالاً كبيرةً بإنجاز ما عجزت أو تقاعست عنه العهود والحكومات السابقة؛ فهم يريدون رئيساً يعيد الاعتبار إلى الدولة، ويقوي المؤسسات، ويضع حداً للفوضى وفلتان السلاح، واستباحة السيادة وسقوط هيبة الدولة. يريدون رئيساً يعيد للبنان علاقاته العربية والدولية، ويفتح الطريق أمام الإصلاح والإنقاذ.
اللبنانيون معذورون في مطالبهم المحقة، وفي ظل حروب وأزمات تطحن البلد منذ نحو خمسين سنة. ولكن المشكلة في لبنان أن الرئيس لا يبدأ من الصفر، بل هو يرث دولة مثقلة بالأزمات، واقتصاداً منهاراً، ومؤسسات ضعيفة، وملفاً مصرفياً لم يُحسم، وودائع ضائعة، وخلافاً عميقاً حول السلاح والسيادة، وانقسامات سياسية وطائفية عمرها عقود.
كل هذه الأسباب لم تشفع لجوزاف عون، وبدأ زخم الدعم والتأييد يخفت ويبهت، حتى إنه سرعان ما اصطدم بحقائق النظام العميق ومؤشرات تآكل الصورة السياسية؛ لتتراجع موجة التفاؤل وتتحول تدريجياً إلى خيبة عامة دفعت شريحة واسعة من المراقبين إلى الجزم بأن العهد قد استُنزف بالكامل وبلغ نهايته السياسية مبكراً.
في خطابه الأول تعهد الرئيس عون بوضوح بأن تكون للدولة وحدها سلطة السلاح، وهو ما قوبل بتصفيق واسع داخل البرلمان. كما أن انتخابه حصل بتوافق داخلي وضغط فرنسي وسعودي وأمريكي، وكان يُنظر إليه كجزء من فرصة للحصول على دعم دولي وإعادة إعمار لبنان. والأهم أن استطلاع “غالوب” الذي أُجري في 2025، وجد أن 81% من اللبنانيين يؤيدون عون، وهي أعلى نسبة يسجلها الاستطلاع لرئيس لبناني.
لم يتأخر الاستياء السياسي في التعبير عن نفسه داخل البيئات التي دعمت التغيير أو راقبت بحذر، وهي إذ رأت أنه رغم اصطدام عون بثلاثة ملفات أكبر من قدرة الرئاسة والحكومة معاً على حسمها، وهي: سلاح حزب الله، والأزمة الاقتصادية والمصرفية، والحرب الإسرائيلية، إلا أنه كان قادراً على اتخاذ مواقف تحقق ولو شيئاً بسيطاً مما وعد به في خطاب القسم.
ففي قراءة صريحة ومبكرة لعجز العهد عن كسر قواعد اللعبة التي كانت سائدة لعدة عهود رئاسية، أطلق النائب السابق مصباح الأحدب تحذيراً مدوياً اعتبر فيه أن “سلاح الحزب محصّن بالأجهزة الأمنية وهيبة الدولة ساقطة! وجوزاف عون على خطى ميشال عون”. وشدد الأحدب في تقييمه لمسار السلطة على أن “التغيير لم يحصل بعد، إذ لا نزال في بلد لا يحكمه توجه موحد واضح”، معتبراً أن مسايرة مراكز القوى أعادت إنتاج الأزمات ذاتها بوجوه جديدة.
من جانبه، قاد رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع موجة انتقادات متصاعدة طالت الأداء الرئاسي؛ رافعاً سقف اعتراضه في محطات لاحقة منتقداً “تلكؤ العهد في تثبيت السيادة” والتردد في اتخاذ مواقف حازمة حيال الخروقات والقرارات المصيرية. ويعكس هذا التباين اتساع الهوة بين الرئاسة والقوى التي دعمته وراهنت على دوره في قيام دولة قوية لا تساوم على صلاحياتها الدستورية.
كما شكّل استمرار فقدان الدولة لقرار السلم والحرب ضربة قاصمة لصورة الرئيس القوي القادم من المؤسسة العسكرية؛ إذ بقيت المبادرات الرسمية لتأمين الاستقرار عند الحدود الجنوبية مقيدة بحسابات السلاح غير الشرعي والنزاعات الإقليمية، وتُرجم عجز الدبلوماسية الرئاسية باعتراف عون نفسه بأن “المفاوضات ليست سهلة لكنها تبقى أفضل من الحرب”، دون امتلاك أي أداة تنفيذية لوقف الاستباحة وتثبيت السيادة الفعلية.
وعلى الضفة الاقتصادية، تبددت بالكامل وعود التعافي؛ فالقوانين الإصلاحية وهيكلة المصارف وحماية حقوق المودعين ظلّت حبيسة الأدراج أو تتحرك ببطء شديد. وقد رسّخ صندوق النقد الدولي هذا الواقع القاتم في تقاريره الأخيرة التي توقّعت “انكماشاً حاداً إضافياً للنشاط الاقتصادي في لبنان”. وجاء إقرار الرئيس عون نفسه بأن “الأزمة القائمة لا يمكن تلخيصها بأنها اقتصادية فحسب، بل هي أزمة ثقة مستعصية” ليمثّل اعترافاً ضمنياً بوصول خيارات المعالجة إلى حائط مسدود، في ظل استمرار هيمنة التحالف المصرفي-السياسي على مقدرات الدولة.
إن المقارنة بين الآمال الشعبية العريضة التي واكبت انطلاقة العهد وبين الحصيلة الراهنة تُظهر بوضوح أن الرئاسة الحالية – كما سابقاتها- خسرت رصيدها السياسي؛ فالعهد الذي رأى فيه الناس يوماً فرصة تاريخية للإنقاذ استحال إلى مجرد غطاء لتصريف الأزمة وتدوير الزوايا وتمرير الوقت، ليصبح الحديث عن “نهاية العهد الفعلية” توصيفاً دقيقاً لواقع شلل سياسي وأمني واقتصادي استنفد كل فرصة للإنجاز وخسر فرصاً ذهبيةً إقليميةً للتعافي، وبقي على اللبنانيين أن يرجعوا إلى الدائرة التي لا تنتهي، ومراحلها المتكررة في كل عهد، وهي ترقّب رئيس، ثم أمل وتفاؤل، ثم انتظار، ثم فشل وخذلان، ثم البحث عن رئيس جديد.



