أشعل قرار الحكومة السورية رفع أسعار المشتقات النفطية، موجة من الاحتجاجات في مناطق سورية مختلفة، من الحسكة إلى دير الزور شرقا، مرورا بريف حلب شمالا، وإدلب غربا، في الوقت الذي لا يبدو فيه أن الحكومة بصدد التراجع عن القرار.
وتراوحت نسبة الارتفاع بين 30-40 في المئة، ووصفت وزارة الطاقة السورية، الارتفاع بـ”الإجراء المؤقت” الذي فرضته زيادة تكاليف تأمين الوقود من الأسواق العالمية.
وتابعت الوزارة أن سوريا تتأثر حاليا بارتفاع كلفة تأمين البنزين والمازوت والفيول عالميا، في حين أدى توقف مصفاة بانياس لأعمال الصيانة إلى زيادة الحاجة إلى تأمين المشتقات النفطية من الخارج خلال فترة العمرة، مؤكدة أنّ تعديل الأسعار يهدف إلى ضمان استمرار تدفق المشتقات النفطية وتوافرها في السوق المحلية، في ظل ارتفاع كلفة التوريد والحاجة إلى تأمين الاحتياجات خلال فترة توقف المصفاة.
وتنتج سوريا نحو 100 ألف برميل يوميا، في حين تقدر الاحتياجات المحلية بنحو 300 ألف برميل يوميا.
وما إن أعلنت الحكومة عن التسعيرة الجديدة، حتى خرجت الاحتجاجات في محافظات سورية عديدة، تخللها قطع طرق المواصلات الرئيسية، واعتراض صهاريج النفط المتوجهة نحو مصفاة حمص.
أما في دمشق، أربك قرار رفع أسعار المحروقات حركة المواصلات، حيث امتنع غالبية سيارات الأجرة عن العمل، في ظل عدم وجود تعليمات برفع تعرفة المواصلات.
تأييد شعبي للاحتجاجات
وكان لافتا، حجم التأييد الشعبي للاحتجاجات، وهو ما يمكن تفسيره إلى “أحقية المطالب” بحسب تقدير الأكاديمي سمير العبد الله الباحث الأول في “المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة”، مضيفا: أن الاحتجاجات عفوية ومحقة.
وعن رد الحكومة على الاحتجاجات، قال: “ستحاول الحكومة امتصاص الغضب، لكن دون تراجع عن قرار رفع الأسعار”، مضيفا: “الحكومة ستسمح بالتظاهر والاحتجاج إلى أن يصيب الشارع الملل”.
واستبعد العبدالله أن تتصادم الحكومة مع الشارع الغاضب، وقلل من احتمالية تطور الاحتجاجات.
من جهته، دعا الناشط السياسي عمر إدلبي عمر الحكومة إلى الاستماع لصوت الناس، والإدراك أن الاستقرار الحقيقي ليس أمنيا وسياسيا فقط، وقال: الاستقرار يتأسس قبل كل شيء على اقتصاد يحفظ كرامة الإنسان، بعدالة توزيع الثروة، والمنافع المادية والمعنوية، ومستوى معيشة لائق بالبشر، وهي أهم قواعد بناء سلم اجتماعي، ومن دونها فالاضطرابات لن تكون مجرد احتمال.
وانتقد إدلبي التطبيق المتسرع لنظام اقتصاد السوق الحر في دولة خارجة من حرب”، وقال: “إن رفع الدعم عن الفئات الأكثر فقرا واحتياجا وضعفا، يقوض منجز الحرية السياسية التي تفاءل السوريون بأنها ستكون بوابة لإنصافهم وحفظ كرامتهم، ويفرغ هذا الحلم من مضمونه الاقتصادي، ويستبدل الاستبداد السياسي باستبداد قوى رأس المال غير الخاضع للرقابة.
أما الباحث الاقتصادي محمد حجي درويش، اعتبر أنه ليس من الحكمة، في ظل إدارة البلاد خلال المرحلة الانتقالية، التسرع في إصدار قرارات مرتجلة، وخاصة عندما تكون هذه القرارات مرتبطة بشكل مباشر بحياة المواطنين ومعيشتهم.
وأضاف أن قرار رفع سعر الطاقة بهدف سد عجز في إيرادات الدولة ليس قرارا حكيما في هذه الظروف، بل قرارا مرتجلا لا يأخذ بالاعتبار ردود فعل المواطنين وتداعياته على حياتهم اليومية.
من جانبه، يتحدث الأكاديمي والخبير الاقتصادي فراس شعبو، عن “معادلة معقدة” تعيشها سوريا، موضحا أن سوريا تعاني من عجز التمويل، وشعب يعيش تحت خط الفقر، واقتصاد هش، وعدم وجود المساعدات.
وأضاف أن الدولة لا تمتلك القدرة على دعم المحروقات في ظل استمرار ارتفاع أسعارها عالميا، في حين أن تحميل هذا الارتفاع إلى المواطن يشق على السوريين.
وتابع شعبو، بأن الحل هو مساعدة الفئات السورية الهشة، وتخفيف مظاهر “البزخ الحكومي”، لتهدئة الشارع وامتصاص الاحتقان.
ارتدادات قادمة
وتوقع شعبو أن تتفاعل الأسواق السورية سريعا مع رفع أسعار المحروقات، وقال: نحن أمام ارتدادات اقتصادية قادمة، في ظل عدم وجود خطط حكومية لإدارة المخاطر.
وأوضح أن أثر رفع المحروقات سيؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار السلع والمواد الغذائية والمواصلات.

