دموع في الإليزيه: كيف انتهت أسطورة النفوذ الفرنسي في لبنان؟

نبيل شحاده – كاتب لبناني
لم يعد لبنان، في حسابات قصر الإليزيه، ذلك المجال الدبلوماسي المفتوح الذي تثبت فرنسا من خلاله أقدامها في الشرق الأوسط، بل تحول إلى مساحة ضيقة تتقاطع فيها التسويات والمصالح الإقليمية المتضاربة وإدارة الأزمات بالحروب على أرضه.
فعندما وضع الجنرال غورو حجر الأساس لإعلان “لبنان الكبير” في عام 1920، أرادت فرنسا لبلاد الأرز أن تكون جوهرة في توسّعها في الشرق وواجهة ثقافية لها. غير أن التاريخ لا يرحم الثابتين؛ فالقوة التي أسست الكيان اللبناني ولعبت دور “الوصي التاريخي” عليه لعقود طويلة، وجدت نفسها اليوم شبه مقتلعة من الغرف المغلقة التي يُعاد فيها رسم المستقبل اللبناني.
وعلى مدار عقود، لم يكن النفوذ الفرنسي في بيروت مجرد حضور دبلوماسي تقليدي، بل تجسد في أواصر شخصية واستراتيجية شديدة الخصوصية – لعل أبرز تجلياتها تلك العلاقة التاريخية الوثيقة التي جمعت الرئيس جاك شيراك برئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري. فقد شكّلت هذه الثنائية جسراً ذهبياً عبر منه لبنان نحو المحافل الدولية ومراكز القرار العالمي، حيث كانت باريس المحامي الأول عن قضايا بيروت ومموّل مؤتمرات دعم الاقتصاد اللبناني. غير أن رحيل هذه الشخصيات وانطواء تلك الحقبة تركا فراغاً واسعاً لم تستطع الإدارات اللاحقة تعويضه
وما تشهده فرنسا اليوم، يتجاوز الكبوة العابرة، بل هو زلزال سياسي سيطيح بذلك الإرث، ليفسح المجال أمام تمدّد أمريكي تام لهندسة الأمن والسياسة في المنطقة.
تآكل النفوذ الفرنسي المتسارع يفتح الباب واسعاً أمام تساؤل جوهري حول ما يحدث، وإذا كان مرتبطاً حصراً بشخص الرئيس إيمانويل ماكرون وأسلوب إدارته، أم أنه تعبير حقيقي عن أزمة دولة كبرى لم يعد في وسعها تقديم الكثير للبنان وسط انحسار حضورها العالمي بأسره.
من المؤكد أن طموح الرئيس إيمانويل ماكرون المفرط، وحرصه على لعب دور المنقذ الذي يهبط بثقله الشخصي على بيروت متجاوزاً أحياناً الترتيبات الدبلوماسية المعتادة، قد أسفر عن نتائج عكسية. فقد جلب أسلوبه الاستعراضي خيبات متتالية، لا سيما بعد إطلاق مبادرته بعد انفجار المرفأ التي سُمّيت بخارطة الطريق الفرنسية لإنقاذ لبنان، وأراد من خلالها إبقاء عجلة المؤسسات دائرة مهما كانت التكلفة، فانزلق نحو تسويات فاضحة مع حزب الله وأركان السلطة، وهو ما أدى إلى تآكل رصيده السياسي تدريجياً، وجعل إدارته تبدو عاجزة وتفتقر لأدوات تنفيذية صارمة.
كذلك، يمكن اعتبار فشل ماكرون في لبنان ما هو إلا امتداد طبيعي لانحسار نفوذ باريس التاريخي في حوض المتوسط وإفريقيا، في ظل ما تواجهه اليوم من تحديات مالية وسياسية واضحة، وتفتقر إلى الموارد الاقتصادية والقدرات العسكرية التي كانت تسمح لها في السابق في لعب دور المانح والفاعل الإقليمي. هذا الوضع، يكشف أن فرنسا فقدت هوامش المناورة والحركة في عالم يسيطر على صياغته الكبار، سياسيا واقتصادياً وعسكرياً.
ومع انفجار المواجهات العسكرية الكبرى الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله، تحول التدخل الدبلوماسي الفرنسي في نظر العواصم الفاعلة إلى حجر عثرة تقف في طريق الأجندة الأمنية الأمريكية الإسرائيلية، لتجد باريس نفسها مدفوعة بفظاظة خارج طاولات القرار الحقيقي.
أما على مستوى الاتحاد الأوروبي، فالصورة تعكس عجزاً هيكلياً أعمق؛ فالتكتل الأوروبي لم يكن يوماً كياناً سياسياً قادراً على فرض معادلات سياسية وأمنية صلبة. لقد اقتصر الدور الأوروبي على المستوى الجماعي على تقديم المساعدات الإنسانية، وإدارة ملفات الهجرة والنزوح، ودعم المؤسسات في البلدان المتعثرة.
وفي البحث عن علامات الامتعاض الفرنسي من استبعاد باريس في مفاوضات الشرق الأوسط، يُمكن التقاط ذلك:
أولاً: تلقى الدبلوماسية الفرنسية صفعة موجعة باستبعادها التام من هندسة الترتيبات الأمنية في جنوب لبنان واحتمال تأليف لجان التحقق.
ثانياً: تأكدت النخب السياسية في فرنسا بأن سنوات طويلة من الاستنزاف المالي والدبلوماسي، وتنظيم مؤتمرات دعم الجيش، وتقديم المبادرات، قد جرى إهمالها عن عمد وبجرّة قلم إقليمية.
ثالثاً: لم يخفِ الإسرائيليون امتعاضهم من محاولات التدخل الفرنسية التي كانت تفضل مد جسور الحوار مع القوى اللبنانية المتناحرة، ونجحوا في إقناع الإدارة الأمريكية بأن باريس لم تعد حليفاً منضبطاً في ظروف تتطلب الحزم الأمني، وأصبحت فرنسا طرفاً مهمّشاً بشكل قسري.
رابعاً: واشنطن لم تعد ترى في باريس الشريك الموثوق لعدة أسباب بنيوية، تبدأ بتمسك واشنطن المتناغمة مع تل أبيب، بمنطق الضغط الأقصى والحسم العسكري، بينما تصر باريس على “الاحتواء والحلول الدبلوماسية المرنة”، وأظهرت امتعاضاً من حجم الدمار في غزة وجنوب لبنان، واعترضت أيضاً على بعض مسارات الدعم العسكري المطلق لإسرائيل، وصولاً إلى رفضها السماح باستخدام مجالها الجوي لنقل شحنات عسكرية معينة. كل هذا أثار حفيظة البيت الأبيض، وعزز قرار تهميشها كحليف “مشاكس” ومرفوض.
وزاد الأمر سوءاً، أنه يتردد في الكواليس السياسية أسئلة شائكة حول دور المصالح الاقتصادية الكبرى بين فرنسا وإيران، مثل عقود شركات الطاقة العملاقة، في دفع باريس نحو غض الطرف عن نفوذ طهران وحزب الله في لبنان. وأصبح معلوماً، أن باريس سعت تاريخياً لتجنب حرق جسورها مع إيران لعقود مضت، انطلاقاً من قناعة بأن الأسواق هناك قد تفتح أبواباً للربح متى ما هدأت الأزمات الدولية.
وفي تتبع مسار تراجع الدور الفرنسي واحتمال وجود انعكاسات سلبية في الداخل اللبناني, يتردد في الأوساط السياسية في بيروت، قراءات متباينة حول ذلك، وترى شرائح واسعة أن غياب المظلة الفرنسية يترك لبنان مكشوفاً بلا ظهير أوروبي يوازن مع وطأة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية معاً. بالنسبة لهؤلاء، كانت باريس تمثل صمام أمان تاريخي يخفف من قسوة الانفراد بالبلاد.
أما الآخرون، فلا يخفون ارتياحهم الضمني لهذا الاستبعاد؛ فهم يعتبرون أن خروج فرنسا من المعادلة اللبنانية يزيح عن طريقهم صوتاً دبلوماسياً مزعجاً كان يصر دوماً على إشراك خصوم محليين في أي تسوية. هذه الأطراف ترى في الاحتكار الأمريكي فرصة ذهبية لحسم الملفات بسرعة ودون معوقات أوروبية، مما يعزز أوراق قوتها في رسم التوازنات الجديدة للمرحلة القادمة.
اليوم، بات لبنان يدور إلى حين في الفلك الأميركي، وواشنطن أصبحت في الظروف والمعطيات الحالية البوابة الإجبارية للحلول والخيارات المتاحة. ما عاد السياسيون أو المسؤولون اللبنانيون يطرقون أبواب الإليزيه طلباً لضمانات أو تدخلات عاجلة أو تسويات، لإدراكهم اليقيني أن مفاتيح الحل والربط، وخرائط الانسحاب باتت تُدار حصراً من واشنطن، و”عصر الهيمنة السياسية التقليدية” لباريس قد انطوى بلا رجعة، متأثراً بتآكل وزنها العالمي وتراكمات أخطائها في عدة مناطق جغرافية.
ولكن هذه ليست النهاية، فالشرق الأوسط، غالباً ما تتهشم على صخرة التعقيدات الاجتماعية والدينية فيه رؤى ومشاريع كبيرة. وحين تبلغ التسويات طريقاً مغلقاً قد تعود واشنطن للاستفادة من رصيد فرنسا الاحتياطي الاستراتيجي، الذي يمثّل الباب الخلفي الوحيد لأية تسويات وصفقات لبنانية داخلية.



