حركة النهضة التونسية أمام أخطر اختبار.. مبادرة برلمانية لتصنيفها تنظيمًا إرهابيًا

عاد ملف حركة النهضة التونسية إلى واجهة الصراع السياسي والقانوني في البلاد، بعد تقديم النائبة فاطمة المسدي، الخميس، مقترح قانون يهدف إلى تصنيف الحركة “تنظيمًا إرهابيًا”، في خطوة تعيد إحياء واحدة من أكثر القضايا حساسية في المشهد التونسي منذ صعود الإسلاميين إلى السلطة بعد ثورة 2011.
ويأتي المقترح في سياق سياسي يشهد إعادة ترتيب واسعة للمشهد الحزبي والمؤسساتي في تونس، وسط استمرار الجدل حول دور حركة النهضة، وعلاقتها بجماعة الإخوان المسلمين، ومسؤوليتها عن الأزمات السياسية التي عرفتها البلاد خلال العقد الماضي.
وقالت المسدي إن مقترح القانون يهدف، وفق نصه، إلى “حماية الأمن القومي والسيادة الوطنية والنظام الجمهوري ومنع استغلال الأحزاب والجمعيات كواجهات لتنظيمات إرهابية”، مضيفة أن المبادرة تسعى إلى مواجهة ما تعتبره ارتباطات تنظيمية ومالية وسياسية تهدد الدولة.
ويتضمن المقترح ستة فصول، ينص أبرزها على اعتبار “حزب حركة النهضة الامتداد السياسي والتنظيمي للتنظيم الدولي لحركة الإخوان المسلمين في تونس”، وتصنيف الحركة “تنظيمًا إرهابيًا”، إضافة إلى شمول القرار كل جمعية أو هيكل يثبت ارتباطه التنظيمي أو المالي أو الوظيفي بالحركة أو بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين.
كما يقترح النص “الحل الفوري للتنظيمات والجمعيات والهياكل المشمولة بهذا القانون”، مع إسقاط الصفة التمثيلية والنيابية عن القيادات التي يثبت انتماؤها أو تورطها، ومنع الأشخاص المعنيين من الترشح للانتخابات أو تولي مسؤوليات عامة لمدة عشر سنوات.
عودة معركة “الإخوان” في تونس
يمثل مقترح المسدي تصعيدًا جديدًا في المواجهة السياسية مع حركة النهضة، التي كانت لعقد كامل أحد أبرز الفاعلين في الحياة السياسية التونسية، وشغلت موقعًا متقدمًا في البرلمان والحكومات المتعاقبة بعد الثورة.
وتعرضت الحركة منذ عام 2019 لضغوط متزايدة، تصاعدت خصوصًا بعد قرارات الرئيس قيس سعيّد في 25 تموز/يوليو 2021، التي جمّد فيها أعمال البرلمان ثم حلّه لاحقًا، وأعاد تشكيل النظام السياسي باتجاه رئاسي قوي.
ومنذ ذلك التاريخ، اتهمت السلطات التونسية وعدد من خصوم النهضة الحركة بتحمل مسؤولية جانب من الأزمات الاقتصادية والسياسية التي عرفتها البلاد، بينما رفضت الحركة هذه الاتهامات، معتبرة أنها جزء من حملة سياسية تستهدف إقصاءها من المشهد.
وتنفي حركة النهضة باستمرار ارتباطها بأي تنظيمات إرهابية، وتؤكد أنها حزب سياسي مدني يعمل وفق القانون التونسي، وأن اتهامها بالانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين يمثل محاولة لتجريم تيار سياسي كامل عبر خلفية أيديولوجية.
من الاتهامات السياسية إلى المسار القانوني
ويفتح مقترح القانون نقاشًا واسعًا حول حدود استخدام تصنيف “الإرهاب” في الصراع السياسي، خصوصًا أن مثل هذه التصنيفات تحمل تبعات قانونية وسياسية كبيرة، وقد تؤدي إلى حل التنظيمات ومصادرة أنشطتها ومنع قياداتها من المشاركة في الحياة العامة.
ويرى مؤيدو المقترح أن مواجهة ما يعتبرونه نفوذًا للإسلام السياسي داخل مؤسسات الدولة تندرج ضمن حماية النظام الجمهوري والأمن القومي، ويستندون إلى اتهامات سابقة طالت بعض الشخصيات المرتبطة بالحركة، خصوصًا في ملفات تتعلق بالتسفير إلى بؤر التوتر، والاغتيالات السياسية، وشبكات النفوذ داخل الدولة.
في المقابل، يرى منتقدو هذا المسار أن تصنيف حزب سياسي كبير تأسس بعد الثورة كتنظيم إرهابي يحتاج إلى أدلة قضائية واضحة وإجراءات قانونية دقيقة، ويحذرون من أن تحويل الخلافات السياسية إلى ملفات أمنية قد يفتح الباب أمام إقصاء تيارات واسعة من المجتمع.
فاطمة المسدي.. من ملف التسفير إلى مواجهة النهضة
وتُعد النائبة فاطمة المسدي من أبرز الأصوات السياسية التي قادت خلال السنوات الماضية حملة انتقادات ضد حركة النهضة، خصوصًا في ما يتعلق بملف شبكات التسفير إلى مناطق الصراع في سوريا والعراق.
وكانت المسدي قد أثارت هذا الملف داخل البرلمان التونسي قبل حله، متهمة قيادات سياسية بالمسؤولية السياسية عن بيئة سمحت بانتشار شبكات استقطاب مقاتلين، وهي اتهامات نفتها قيادات النهضة.
ويأتي تقديم مقترح تصنيف النهضة تنظيمًا إرهابيًا امتدادًا لهذا المسار السياسي الذي تتبناه المسدي، والذي يقوم على اعتبار أن مواجهة الإسلام السياسي ليست مجرد منافسة حزبية، بل قضية مرتبطة بأمن الدولة وطبيعة النظام السياسي.
مستقبل المقترح داخل البرلمان
ولا يزال من غير الواضح المسار الذي سيتخذه مقترح القانون داخل المؤسسة التشريعية، خصوصًا في ظل طبيعة المشهد السياسي الحالي بعد إعادة تشكيل البرلمان وفق دستور 2022، وانحسار دور الأحزاب التقليدية مقارنة بالفترة التي أعقبت الثورة.
كما أن إقرار مثل هذا القانون سيطرح أسئلة دستورية وحقوقية تتعلق بالتعددية السياسية وحرية التنظيم والحياة الحزبية، وهي مبادئ كانت في قلب التحولات التي عرفتها تونس بعد عام 2011.
ويأتي المقترح في لحظة إقليمية تشهد تصاعدًا في الجدل حول مستقبل الإسلام السياسي، وحدود مشاركته في الأنظمة الديمقراطية، بعد تجارب مختلفة في عدد من الدول العربية بين المشاركة السياسية والإقصاء الأمني.
صراع على تعريف الدولة والسياسة
يتجاوز الجدل حول مقترح تصنيف حركة النهضة “تنظيمًا إرهابيًا” مستقبل حزب بعينه، ليصل إلى سؤال أوسع يتعلق بطبيعة الدولة التونسية ومستقبل التعددية السياسية فيها.
فبينما يرى خصوم النهضة أن مرحلة ما بعد الثورة كشفت مخاطر توظيف الدين في السياسة، يرى أنصارها أن استهداف الحركة يمثل محاولة لإعادة إنتاج الإقصاء السياسي الذي عانت منه التيارات الإسلامية قبل 2011.
وبين هذين التصورين، يبقى ملف النهضة أحد أكثر الملفات تعقيدًا في تونس، حيث تتداخل فيه الحسابات الأمنية والقانونية مع الصراع الأيديولوجي حول هوية الدولة وشكل النظام السياسي وحدود مشاركة التيارات الإسلامية في الحياة العامة.



