Site icon العربي الأصيل

قصة إفراج عن 10 ناشطين بأسطول الصمود في ليبيا المسيطر عليها خليفة حفتر

أفرجت السلطات خليفة حفتر في شرقي ليبيا عن 10 ناشطين من 9 جنسيات احتُجزوا نحو شهر في بنغازي أثناء محاولتهم التفاوض من أجل عبور القافلة البرية لأسطول الصمود العالمي المتجهة نحو الحدود المصرية.

وجاء الإفراج على دفعتين، إذ أُعيد 4 منهم إلى تونس، ثم أُطلق سراح الباقين لاحقا وتوجهوا إلى إسطنبول، قبل أن يعود الجميع إلى بلدانهم.

واعتُقل الناشطون في 24 مايو/أيار الماضي، حين توجه وفد يضم 10 أشخاص بمرافقة سيارات للإسعاف والمواد الإغاثة، وذلك من التفاوض مع السلطات المحلية في شرقي ليبيا بشأن عبور القافلة، لكن هؤلاء أُخذوا تحت تهديد السلاح من منطقة مدنية بين نقطتي تفتيش، ونُقلوا في مركبات مدنية إلى بنغازي حيث احتُجزوا في مكان غير معلوم دون أي اتصال بمحامين أو بذويهم، حسب ما صرح به المتحدث باسم أسطول الصمود العالمي سيف أبو كشك.

وأضاف كشك أن الإفراج عن النشطاء جاء بعد حراك دبلوماسي وحقوقي متصاعد شمل التواصل مع مكتب حقوق الإنسان في الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية وعشرات البرلمانيين، وتظاهرات أمام سفارات في دول متعددة، فضلا عن تدخل الفاتيكان مع الخارجية الإيطالية إذ كان بين المحتجزين مواطنان إيطاليان، كما سبق أن طالبت منظمة العفو الدولية بالإفراج الفوري وغير المشروط عنهم.

كيف بدأت القصة؟

حين انطلق أسطول الصمود العالمي البحري من تركيا في 15 مايو/أيار الماضي، وذلك بعد اعتراض البحرية الإسرائيلية للأسطول الأساسي قبالة السواحل اليونانية قبل ذلك بأيام، كانت قافلة الصمود البرية قد سبقته بنحو 10 أيام، حين انطلقت من موريتانيا لتشق طريقها برا نحو غزة.

وحسب ما يرويه أبو كشك، فإن مسار الرحلة توقف في أقصى الشرق الليبي، حين رفضت قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر السماح للقافلة بالعبور. وبعدها أجرى المنظمون اتصالات مع الهلال الأحمر ومحاولات لإدخال وسطاء، وانتهى الأمر بقرار إرسال وفد مؤلف من 10 ناشطين يمثلون 9 جنسيات (تونس والأرجنتين وإيطاليا وإسبانيا وبولندا وأوروغواي والولايات المتحدة والبرتغال) للتفاوض مع السلطات، أملا في فتح الطريق نحو مصر ثم معبر رفح.

المتحدث باسم أسطول الصمود العالمي سيف أبو كشك يوضح أن الوفد كان رسميا وأُبلغت به الجهات المعنية مسبقا، وأن الناشطين دخلوا ليبيا بصورة قانونية. غير أنهم حين وصلوا إلى المنطقة الفاصلة بين نقطتي تفتيش اعتُرضوا بتهديد السلاح ونُقلوا قسرا إلى بنغازي، لتُوجه إليهم تهمة الدخول غير القانوني.

مصير مجهول وصمت تام

حسب ما أفادت به الناشطة الأيرلندية تارا أوغرادي للجزيرة نت، فإن الأيام الأولى من احتجاز النشطاء مرت في شبه انقطاع تام، ولم يكن ذوو المحتجزين يعرفون مكانهم، ولم تُفصح الجهات الرسمية في شرقي ليبيا عن أي معلومات، مبينة أنا ما كان يصدر من بيانات رسمية يعبر عن دعم القضية الفلسطينية، لكنها في الوقت نفسه تتمسك بالتهمة الموجهة للناشطين.

وتارا أوغرادي ناشطة حقوقية ورئيسة منظمة “لا سلام بلا عدالة”، وهي من المنظِّمين الأساسيين لأسطول الصمود وسبق أن اعتقلتها البحرية الإسرائيلية في أسطول الصمود عام 2025، تقول -في تصريحاتها للجزيرة نت- “استخدمنا حرفيا كل ما في جعبتنا منذ اليوم الأول، لكن الأمر كان شبه مستحيل، ولم نتمكن من التواصل معهم لفترة طويلة جدا.

وحين فتح الجانب الليبي قناة تواصل مع أوغرادي، جاءت الحجج بأن الحدود الليبية المصرية مخصصة لمواطني البلدين فحسب، وأن نية الناشطين عبور الحدود للوصول إلى غزة تشكل انتهاكا للقوانين الوطنية. لكن أوغرادي تعود وتصف هذا النهج بأنه يمثل “حربا قانونية” باتت أداة لتقييد الناشطين ومنعهم من الوصول إلى غزة.

وأمام هذا الوضع، أطلق منظمو أسطول الصمود حملة ضغط متعددة الاتجاهات في وقت واحد، ويصف أبو كشك ما جرى بأنه “لم يكن هناك باب يمكن طرقه إلا توجهنا إليه”. واتخذ هذا الجهد عدة مسارات:

على المستوى الأممي تم التواصل مع مفوضية حقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية. على المستوى الدبلوماسي أُرسلت رسائل جماعية منظمة إلى وزراء خارجية الدول التي ينتمي إليها المحتجزون، وتدخّل الفاتيكان بمراسلة الخارجية الإيطالية. على المستوى الشعبي خرجت تظاهرات واعتصامات أمام سفارات في عشرات الدول.

وأمام الصمت الرسمي، أعلن عدد من نشطاء القافلة البرية إضرابا عن الطعام تضامنا مع زملائهم. وفي نهاية المطاف، صدر قرار الإفراج لا بحكم قضائي، بل استجابةً لهذا الضغط المتراكم، حسب ما قاله المتحدث باسم أسطول الصمود.

استقبال بتركيا وتذكير بالأسرى

وعندما وصل المحتجزون إلى قاعة الاستقبال بمطار إسطنبول، لم يُخفوا مرارة التجربة التي مروا بها، فالناشطة البولندية لورا ذكّرت الحضور بأن آلاف الفلسطينيين لا يزالون في سجون الاحتلال، ومن بينهم ما لا يقل عن 400 طفل، وأن ما عاشه المحتجزون في ليبيا لا يُقارَن بذلك. وأكدت ناشطة أخرى أن الصمت وعدم التحرك ليسا موقفا محايدا، بل يمثلان ضربا من التواطؤ.

وتقول أوغرادي، التي تحمل في ذاكرتها أسبوعا من الانقطاع التام خلف قضبان الأسر الإسرائيلية، “من الصعب جدا أن تُشعر شخصا قابعا في زنزانة بأن هناك من يكترث لأمره. لكن عندما تم ترحيلنا، كان مذهلا أن نرى كيف حشد المجتمع نفسه” من أجل استمرار مقاومة الاحتلال ومحاكمة مرتكبي الجرائم في قطاع غزة.

أين يبدأ الحصار على غزة؟

ويرى أبو كشك أن ما جرى ليس مجرد حادثة معزولة، بل نمطا متكررا تمثل في اعتراض أسطول الصمود في مياه البحر المتوسط قرب اليونان، ثم مرة أخرى قرب قبرص، والآن احتجاز القافلة البرية في ليبيا. وكلها محطات تقود إلى سؤال واحد: أين يبدأ الحصار على غزة فعلا؟

ويشير المتحدث باسم أسطول الصمود العالمي إلى أن عملية اعتراض الأسطول الأولى تمت على بعد ما يقرب من ألف كيلومتر من قطاع غزة، والعملية الثانية كانت بالقرب من قبرص، والآن عملية منع هذه القافلة من الاستمرار كانت في ليبيا.

وتذهب أوغرادي إلى الصورة الأشمل، إذ تقول إن مطاردات الناشطين في بريطانيا وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة، واعتراض أساطيل الصمود، واحتجاز المتظاهرين؛ كل ذلك يأتي في “مساق ترهيبي واحد” هدفه منع أي حراك داعم لفلسطين. لكنها تختم تصريحاتها للجزيرة نت بأنهم يعتقدون أنهم يحكمون قبضتهم علينا، بينما في الواقع نحن من نحاصرهم.

Exit mobile version