الأخبارأخبار عربية

لبنان ليس قلب إيران، والسيادة اللبنانية ستنتصر.

نبيل شحاده – كاتب لبناني

شكلت المنشورات الأخيرة التي بثتها السفارة الإيرانية في بيروت عبر حسابها الرسمي على منصة “إكس”، والتي حملت شعارات تزعم أن “لبنان هو قلب إيران”، تصريحاً صلفاً يخالف كل الأعراف الدبلوماسية، ولا يحترم سيادة وقوانين وأعراف البلد الموجودة فيه. ولم تكن هذه المنشورات مجرد تعبير دبلوماسي عابر أو عاطفي، بل جاءت لتعكس بوضوح عمق عقلية الهيمنة الإقليمية ومحاولة تنصيب طهران لنفسها وصية شرعية على لبنان، وخياراته، ومستقبل شعبه، في تحدٍ سافر لمنطق الدولة ومؤسساتها الدستورية.

إن هذا السلوك الدبلوماسي المستفز ليس أمراً طارئاً أو معزولاً، بل هو الترجمة الميدانية لسلسلة مترابطة من التصريحات والمواقف التاريخية والمستمرة التي تؤكد أن القيادة الإيرانية تتعامل مع لبنان وكأنه مجرد تابع يدور في فلكها، بلا سيادة حقيقية وبلا دولة مستقلة قائمة بذاتها. ولعل المواقف الموثقة للقيادات الإيرانية، بدءاً من مباهاة قادة الحرس الثوري بالسيطرة على العواصم العربية ومنها بيروت، وصولاً إلى التصريحات الفجة التي تعتبر جنوب لبنان الخط الأمامي للدفاع عن العمق الإيراني، تكشف أن طهران لا تريد من الدولة اللبنانية سوى أن تكون صدى لسياساتها الخاصة.

وفي هذا السياق الاستراتيجي، نجحت إيران عبر حزب الله في تحويل لبنان إلى قاعدة متقدمة للاستثمار في الصراع العربي الإسرائيلي، واستخدامه كأداة ضغط لفرض نفسها لاعباً إقليمياً شريكاً ومتحكماً في معادلات المنطقة، فتتدخل في كل مرة لتقويض أي حل في المنطقة أو مشروع سلام. ومن خلال ذلك، نصّبت طهران نفسها المرجعية السياسية والأمنية العليا التي يجب على المجتمع الدولي الرجوع إليها عند مناقشة ملفات الفصائل المسلحة، بدءاً من حركة حماس وحزب الله وصولاً إلى سائر الميليشيات التي أنشأتها ورعتها في الإقليم؛ وبات معها القرار اللبناني بسبب عدم تنفيذ الدستور وتجاهل القرارات الدولية رهينة لحسابات التفاوض الإيراني مع القوى الكبرى.

وتكتسب هذه الاستماتة الإيرانية في التمسك بالورقة اللبنانية طابع “الحياة أو الموت” لاسيما بعد التحولات الجيوسياسية الكبرى وتراجع الدور الإيراني المؤثر في الساحة السورية والضربات المتلاحقة في الداخل الإيراني وجنوب لبنان؛ وهو ما جعل من الساحة اللبنانية المعقل الحيوي الأخير الذي تقاتل طهران للحفاظ عليه ولمنع انهيار منظومة ما يُسمى “وحدة الساحات” بالكامل.

أمام هذا الواقع المأزوم الذي سبّب احراجاً كبيرا لأركان الدولة، فكان لا بد من إعلاء الصوت ووضع الأمور في نصابها، وأنها لن ترتضي المساس بسيادتها أو العبث بمصيرها؛ فكانت المقابلة الأخيرة للرئيس جوزاف عون مع قناة “CNN”، التي اتسمت بوضوح كبير وصراحة قلّ نظيرها، فأعلن رفضه القاطع لتصريحات الحرس الثوري الإيراني الرافضة للاتفاق اللبناني الإسرائيلي، متهماً إيران باستخدام لبنان كورقة تفاوضية مع الولايات المتحدة لخدمة مصالحها الخاصة، ومضيفاً: شعب لبنان يدفع الثمن وتُدمر منازله لخدمة مصالحكم.. لا يحق لكم التدخل في شؤوننا، واللبنانيون هم شعب لبنان وليسوا شعب نعيم قاسم.

وفي السياق نفسه، اعتبر رئيس مجلس الوزراء نواف سلام تصريحات قادة الحرس الثوري الإيراني بأنها تأكيد جديد على “أن هذه الحرب ليست حربنا، وأنها لا تُخاض من أجلنا، بل على أرضنا وعلى حساب أهلنا”، متوجها إلى إيران بالقول: “أن ترحم جنوبنا وأن تتوقف عن التعامل معه ومع أهله كمجرد ورقة لتحسين شروط مفاوضاتها” وأن لبنان ليس ورقة على طاولة أحد، والجنوب ليس جبهة احتياطية لأحد.

هناك حقيقة لا يمكن القفز فوقها أو تجاهلها، وهي أن التخلص من الهيمنة الإيرانية على لبنان، والتحرر من وطأة سلاح حزب الله غير الشرعي، لم يعد مجرد ترف سياسي أو وجهة نظر خاضعة للمساومة أو تدعو للجلوس إلى طاولات حوار مملة وعقيمة، بل هو أمر وجودي يتعلق ببقاء الكيان اللبناني واستمراره، وضمان تطوره وتقدمه؛ ففي ظل المشاريع الاقتصادية الكبرى وخطوط التجارة والربط الإقليمي التي تُنسج خيوطها اليوم في المنطقة، لا يمكن للبنان أن يحجز مقعده الذي يستحقه إلا إذا استعاد قراره الحر، ونفض عنه غبار المحاور المدمرة، ليعود دولة طبيعية سيدة، قادرة على محاورة العالم بلغة الدستور والقانون وعبر القنوات الدبلوماسية وآليات المؤسسات الشرعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى