الأخبارأخبار عالمية

العقوبات الأميركية تكشف الغطاء عن تغلغل الدويلة في الدولة

نبيل شحاده – كاتب لبناني

أحدث الإعلان الأخير الصادر عن وزارة الخزانة الأميركية بفرض عقوبات جديدة على تسعة أفراد في لبنان صدمة سياسية وأمنية غير مسبوقة، وستتجاوز مفاعيلها مبدأ الإجراءات العقابية الروتينية لتصيب عمق الهيكلية المترهلة للدولة اللبنانية. القرار تخطّى ما يسميه البعض الخطوط الحمراء التقليدية، وأكد أن الرصد الأميركي لم يعد محصوراً بالأذرع المباشرة والعلنية لحزب الله، بل امتد بوضوح غير مسبوق ليطال شخصيات أمنية رفيعة المستوى في الأجهزة الرسمية، ومسؤولين بارزين في حركة أمل، من الدائرة الضيقة لرئيس مجلس النواب نبيه بري، إلى جانب دبلوماسي إيراني. هذا التموضع الجديد لقرارات واشنطن وضع القوى السياسية أمام الحقيقة العارية التي حاول الكثيرون التعامل معها ومداراتها لسنوات، وهي أن لبنان انتقل من مرحلة التعايش مع دويلة داخل الدولة، إلى مرحلة أخطر حيث انتهت الدويلة العقائدية من ابتلاع منظومة الدولة الشرعية بالكامل، وجيّرت مفاصلها السياسية والأمنية لخدمة حزب الله وأجندته الإقليمية المرتهنة لإيران.

وبات مؤكداّ أن الإدارة الأميركية تعمّدت عبر هندسة هذا القرار إرسال رسائل واضحة ومباشرة حول التغلغل الحزبي في مفاصل الدولة، حيث سقطت ورقة التوت للمرة الأولى عبر استهداف ضباط عاملين في المؤسسة العسكرية والأمنية التي كانت إلى وقت قريب تحظى بحصانة دولية ودعم مالي أميركي مباشر. وشملت القائمة العقيد سمير حمادة، رئيس فرع مخابرات الجيش اللبناني في الضاحية الجنوبية لبيروت، والعميد خطّار ناصر الدين، رئيس دائرة التحليل والتحقيق في المديرية العامة للأمن العام. هذا الاختراق الخطير يبرهن على أن واشنطن من خلال رصدها ومراقبتها، باتت ترى في الأجهزة الأمنية الرسمية شريكاً وغطاءً شرعياً لأنشطة الحزب المسلحة، وهو ما يمكن أن يهدد مستقبلاً بروتوكولات المساعدات الدولية للجيش اللبناني التي تغطي جزءا كبيرا من احتياجاته اللوجستية والمعيشية.

كما يتقاطع القرار الأميركي بشكل ملموس الاعتراضات التاريخية المتراكمة للقوى السياسية السيادية اللبنانية، والتي بُحّ صوتها وهي تحذر من مغبة تدجين الأجهزة الرسمية والهيمنة عليها وتحويلها إلى مجرد غطاء لتمرير سياسات لا تتوافق مع الدستور ومفهوم سيادة القانون.

قرار التطويق الأميركي لم يقف أيضاً عند حدود المفاصل الأمنية، بل امتد ليطال جبهة المقربين من مقر الرئاسة الثانية في عين التينة وحركة أمل عبر إدراج أحمد بعلبكي وعلي صفاوي في القوائم السوداء. في رسالة أميركية تحذيرية مباشرة إلى نبيه بري نفسه بأن “الحماية السياسية والمناورات البرلمانية” التي يؤمّنها لتغطية سلاح حزب الله وتمرير ما يناسبه، والالتفاف على الدستور لتعطيل الاستحقاقات الدستورية والرئاسية، باتت لها تكاليف عالية.

الطوق الأميركي تكامل مع إدراج الأذرع التشريعية والسياسية للحزب ممثلة بالنواب الحاليين حسن فضل الله، وإبراهيم الموسوي، وحسين الحاج حسن، والوزير السابق محمد فنيش، والذين يشكلون معاً جزءاً من “مطبخ شبه دستوري” يعمل على دعم وتعزيز شرعنة السلاح واجهاض أي محاولة حكومية لتطبيق القرارات الدولية، وصولاً للارتباط عضوياً بالسفير الإيراني لدى لبنان محمد رضا شيباني الذي أُدرج في ذات اللائحة باعتباره حلقة الوصل مع الحرس الثوري، والذي عكس رفضه لمغادرة لبنان – رغم تصنيفه مؤخراً من الخارجية اللبنانية كشخص غير مرغوب فيه – مدى استقواء طهران بأدواتها المحلية لكسر هيبة الدولة اللبنانية وعرقلة تطبيق القوانين اللبنانية.

هذه التطورات المتسارعة تؤسس لثلاث قواعد جديدة في التعاطي الأميركي مع الملف اللبناني، أولاها، نهاية زمن السرية والاختباء خلف المراكز المهمة في مؤسسات الدولة، حيث تثبت واشنطن عبر الأسماء والوظائف أنها تمتلك قاعدة معلومات واستخبارات تخترق بالكامل هياكل السيطرة المشتركة بين حزب الله وحركة أمل. وثانيها ملاحقة الرموز العميقة للتواطؤ، ولم يعد الغطاء الوظيفي، سواء كان نائباً أو ضابطاً، كافياً ليمنح صاحبه الحصانة السياسية. وثالثاً، أن القرار الأميركي شكّل جرس إنذار أخير للمسؤولين من الصف الأول، إذ تتحدث المعلومات المتداولة أن اللوائح المقبلة ستكون أخطر، وستأتي بمفاجآت ثقيلة قد تطال رؤوساً سياسية واقتصادية كبيرة إن استمر نهج التعطيل والمساومة على حساب الدستور والقرارات الدولية.

مراقبون استشعروا الخطر من تداعيات مباشرة لهذه الخطوة قد تصيب مستقبل برامج الدعم العسكري واللوجستي الأميركي للمؤسسة العسكرية اللبنانية، وقد ينتقل النقاش إلى داخل أروقة الكونغرس الأميركي وإلى تهديد صريح بتجميد التمويل؛ حيث تتعالى الأصوات وتضغط بشكل متزايد لفرض شروط صارمة ترهن استمرار المساعدات العسكرية بإجراء تدقيق شامل داخل بنية الأجهزة الأمنية اللبنانية، يترافق مع استبعاد كل من يوالي الحزب أو يتواطأ معه، مما يضع قيادة الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية الأخرى أمام اختبار وجودي حرج، ويفرض عليهم التعامل مع هذا الأمر بمسؤولية وطنية وبجدية أكبر.

الخلاصة المريرة لمشهد “الاحتلال المقنع” الذي مارسه حزب الله في لبنان من خلال قضم بطيء وتدمير ذكي لأسس سيادة القانون وتفريغ المؤسسات من مضمونها الدستوري دون الحاجة لاجتياحات لعمليات مكشوفة. فحين يصبح ضباط رسميون أدوات لتزويد ميليشيا عقائدية مسلحة بمعلومات الدولة، وحين يتحول البرلمان تحت سلطة الأمر الواقع إلى منصة لتعطيل الدستور، وحين يعجز القضاء عن محاسبة المرتكبين خوفاً من التصفيات، فإن الدولة بطبيعة الحال تفقد بالضرورة علة وجودها ومبرر بقائها.

لقد تحول لبنان بفعل هذا التغلغل الممنهج والمتشعب في دولة سيدة، حرة، ومستقلة، إلى مجرد تابع يدور في الفلك الإيراني ويخدم مخطط تدمير المنطقة تحت مسمّى “وحدة الساحات”، وهذا حمّل الشعب اللبناني كاملاً أثماناً باهظة من اقتصاده، وأمنه، ومستقبله وعلاقاته العربية والدولية.

العقوبات الأميركية الأخيرة، جاءت كصدمة كهربائية قاسية لتؤكد لجميع المكوّنات اللبنانية، وللذين صمّوا آذانهم عن تحذيرات القوى السيادية المعارضة، أن المساومة على السيادة ومداراة السلاح غير الشرعي – بل وخدمته- لم تعد خياراً قابلاً للحياة، وأن استعادة الدولة تبدأ حتماً بعزل الدويلة من داخل المؤسسات الرسمية، ثم الانتقال لإعادة بنائها على أسس صحيحة وسليمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى