أخبار عربيةالأخبارلبنان

بيروت في ظل الترهيب والفوضى، فأين الدولة؟

نبيل شحاده – كاتب لبناني

لم تكن التظاهرات التي شهدها محيط السراي الحكومي في بيروت خلال اليومين الماضيين حدثاً عابراً يمكن أن ينتهي ببيان تهدئة أو دعوة إلى ضبط النفس، أو حتى بمحاولات تبرؤ من أطراف ثبت تحريضها على هذه التحركات. ما جرى تجاوز حدود الاحتجاج السياسي المشروع، وتحول ّإلى سلوك شبه منظم يهدد أمن العاصمة واستقرارها النسبي، ويعيد طرح سؤال أساسي: من يحكم الشارع، الدولة أم قوى الأمر الواقع التي تملك القدرة على فرض حضورها فيه، متى تشاء ودون أي محاذير؟

ومشهد أنصار حزب الله أمام مقر رئاسة مجلس الوزراء، لم يبق ضمن حدود التعبير، بل كان يتطور في كل مرة إلى هتافات مباشرة ضد رئيس مجلس الوزراء مع كل ما يمثله في السلطة، تحمل طابعاً شخصياً وتخوينياً واستفزازياً بشكل مُعيب وغير مقبول. ولا تقف الأمور عند هذا الحد، بل يُستكمل المشهد بمواكب دراجات نارية تجوب شوارع العاصمة، ترفع أعلاماً حزبية وشعارات طائفية وتوجه إهانات استفزازية للسكان، في سلوك لا يمكن قراءته إلا كاستعراض قوة في قلب مدينة يفترض أنها تحت سلطة القانون وحده.

هذا النوع من التحركات لا يمكن التعامل معه بوصفه موقفاً سياسياً، ولا مجرد تنفيس عاطفي تحت ثقل أخبار الجنوب والتفاوض مع إسرائيل، ولا حتى ردة فعل عاطفية على العدد الكبير من الضحايا في مختلف المناطق اللبنانية. هو نمط يتكرر كلما شعر حزب الله بالضغط أو وقع في المأزق، فيلجأ إلى الشارع كأداة لإرسال رسائل داخلية وخارجية، مع إدراك أن هذه الرسائل لا تملك وزناً فعلياً على طاولات القرار الدولي.

والخطورة هنا لا تكمن فقط في التوقيت، بل في الشكل والمضمون: دخول أحياء مكتظة ذات حساسية طائفية معيّنة، وإطلاق شعارات تمس كرامات جماعية ومقدسات دينية، مع استحضار خطاب طائفي يغذّي الانقسامات التي يدفع اللبنانيون منذ عقود أثماناً باهظة بسببها ودون معرفة سبل الخروج منها.

ومع تكرار هذه التحركات، يجد أهل العاصمة أنفسهم دائماً أمام سؤال متجدد: أين الدولة؟ وأين الجيش والقوى الأمنية لتقوم بواجباتها في الردع ومنع التطاول وحفظ الأمن والاستقرار؟ بل أين المسؤولية المباشرة للدولة في حماية الشريحة الواسعة من اللبنانيين الذين لا يزالون يراهنون على هذه الدولة؟

لم يعد كافياً الاكتفاء ببيانات الإدانة والاستنكار، والدعوات إلى ضبط النفس وتحكيم الضمير، بل المطلوب انتقال واضح إلى سياسة لا لبس فيها، وتقوم على عدم السماح بأي مظهر يهدد السلم الأهلي، ورفع الغطاء كاملاً عن أي خطاب طائفي أو تحريضي، ورفض أي استعراض قوة خارج إطار القانون، وأن تُواجه كل هذه الممارسات فوراً وبحزم. كما يجب أن يتحول القرار الذي صدر عن مجلس الوزراء بتعزيز بسط سيطرة الدولة في بيروت وحصر السلاح بالقوى الشرعية إلى التنفيذ الفعلي والحازم، لا كإجراء ظرفي ومؤقت، بل كخطوة أولى وثابتة في استعادة هيبة الدولة على الأقل في عاصمتها.

والمسؤولية لا تقع على الدولة وحدها. القوى السياسية، وفي مقدمتها ما يُعرف بالثنائي الشيعي مطالبة بأن تتجاوز بيانات التبرؤ أو الدعوات العامة إلى التهدئة، وأن تذهب وبأعلى المستويات لتمارس ضبطاً فعلياً لجمهورها. فالحياة السياسية لا يمكن أن تستقيم إذا بقي الشارع أداة ضغط منفلتة، تُستخدم كلما دعت الظروف السياسية والتطورات، ثم يُطلب من الآخرين – وهم ضحايا هذه التحركات – تفهمها أو التغاضي عنها.

ولا تقف المسؤولية عند هذا الحد، بل تمتد لتشمل نواب العاصمة ووجهاءها وشخصياتها العامة وجمعياتها المدنية، الذين يفترض أن يكونوا في طليعة المدافعين عن بيروت وأهلها. فهؤلاء لا يجوز أن يكتفوا بدور المتفرج أو الصامت أو بإصدار مواقف عابرة، بل عليهم أن يتحركوا بوضوح وحزم، وأن يمارسوا ضغطاً سياسياً وإعلامياً مشروعاً على الدولة ومؤسساتها الأمنية لتقوم بواجباتها كاملة تجاه العاصمة. إن بيروت ليست مجرد دائرة انتخابية تُستحضر في المواسم، بل هي مدينة حيّة تحتاج إلى حماية دائمة ورعاية مستمرة. ومن غير المقبول أن تبقى شوارعها مفتوحة للفوضى والشغب، بلا حسيب أو رقيب، فيما ممثلوها وأهل الرأي فيها يلوذون بالصمت أو الاكتفاء بالمراقبة. إن الدفاع عن بيروت اليوم هو اختبار حقيقي لصدقية نخبها وقدرتهم على تحويل موقعها المعنوي والسياسي إلى فعل ضاغط يحمي العاصمة ويعيد الاعتبار لما تبقّى من هيبة الدولة فيها.

ما جرى في بيروت خلال اليومين الماضيين يجب أن يشكّل لحظة حاسمة تثبت الدولة فيها قدرتها على حماية عاصمتها وضبط الشارع فيها، وإلّا فالدولة، أو بعض أجزائها، تكرّس واقعاً خطيراً تصبح فيه المدينة وشوارعها وساحاتها رهينة للأهواء والنزوات لا للقانون. وفي بلد مثل لبنان، حيث يكفي احتكاك صغير لإشعال توترات واسعة، فإن التساهل مع هذا النوع من الممارسات ليس مجرد خطأ سياسي، بل مخاطرة كبيرة ومباشرة للسلم الأهلي.

بيروت قدّمت الكثير طوال زمن الحرب الذي يزيد عن عقود، ولا تحتاج إلى مزيد من الرسائل النارية في شوارعها، بل إلى طمأنينة تعيد بعض الثقة إلى أهلها. وهذه الطمأنينة لا تُبنى بالكلام والبيانات الفارغة، بل بالفعل عبر تطبيق القانون على الجميع ودون استثناء ومحاباة.

زر الذهاب إلى الأعلى