أخبار عالميةالأخبار

هل فشلت الأمة حين قلدت الغرب؟

في كل مرة تتعثر فيها أمتنا، يخرج من يظن أن الحل هو أن نرتدي ثوب غيرنا. فريق يريدنا نسخة مستوردة من الغرب في أفكاره وقيمه ونمط حياته، وفريق آخر يظن أن الخلاص في تقليد الشرق أو الارتماء في أي نموذج صاعد.

الحقيقة أن هذا هو جوهر الأزمة أصلا! لقد ابتعدنا عن أنفسنا، وعن المعاني التي صنعت قوتنا يوم كنا أمة تبني مشروعها من داخلها، لا من بقايا موائد الآخرين.

لسنا بحاجة إلى أن نكون نسخة من أحد، لأن الأمم لا تنهض بالتقليد الأعمى. قد تستفيد من تجارب غيرها، نعم، وقد تتعلم من أدوات العصر وعلومه ومؤسساته، وهذا أمر طبيعي، لكن الفرق كبير بين أن تتعلم من العالم، وبين أن تفقد شخصيتك فيه.

الأمة التي تعيش بعقل غيرها، وتنظر إلى نفسها بعين الآخر، هي أمة تحكم على نفسها بأن تبقى تابعة، حتى لو ظنت أنها تتقدم.

مشكلتنا اليوم ليست فقط في السياسة، كما يحب البعض أن يختصرها. السياسة مهمة، لكنها ليست نقطة البداية، لأن السياسة في النهاية انعكاس لحال المجتمع، وصورة مكبرة لما يجري في داخله.

فإذا كان الإنسان هشا في قيمه، مضطربا في وعيه، ضعيفا في انتمائه، سطحيا في فهمه، فلن تصنع السياسة منه أمة قوية، حتى لو تغيرت الشعارات والوجوه والأنظمة. قد يتغير المشهد، لكن المشكلة تبقى في الأساس.

ولهذا فإن البداية الصحيحة لأي نهضة حقيقية لا تكون من فوق، بل من الجذور: من التربية والتعليم، من تشكيل الإنسان قبل تشكيل السلطة.

القرآن وضع هذه القاعدة بوضوح: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾.

هذه الآية قانون حضاري كامل. التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل.. من النفس، من الفكرة، من السلوك، من الأخلاق، من المعايير التي تحكم نظرة الإنسان إلى الحياة. أما الذين يريدون تغيير الخارج مع بقاء الداخل على حاله، فهم كمن يطلي جدارا متشققا، ثم يتعجب لماذا عاد التشقق من جديد.

والنموذج الإسلامي في أصل بنائه كان واضحا في هذه المسألة. النبي صلى الله عليه وسلم لم يبدأ أولا ببناء سلطة، ولا بتوسيع نفوذ، ولا بإدارة مؤسسات، بل بدأ ببناء الإنسان.

ربى جيلا على الإيمان، وعلى الصدق، وعلى الصبر، وعلى الشعور بالرسالة، وعلى فهم الحياة بمنظار مختلف. وعندما قامت الدولة بعد ذلك، لم تقم من فراغ، بل قامت على أكتاف رجال صاغتهم التربية قبل السياسة. هذا الترتيب لم يكن صدفة، بل سنة من سنن النهوض. التاريخ علمنا أنه لا مشروع كبيرا بلا وعي يسبقه.

الكارثة أن التعليم في كثير من أوطاننا صار يخرج حافظين أكثر مما يخرج مفكرين. يتخرج الشاب وهو يعرف كيف ينجح في الامتحان، لكنه لا يعرف كيف يفهم العالم، ولا كيف يقرأ واقعه، ولا كيف يحاكم الأفكار، ولا كيف يدافع عن هويته دون انغلاق، ولا كيف يستفيد من العصر دون أن يذوب فيه. وهنا تبدأ الهزيمة الحقيقية!

أما التربية، فهي الجدار الأول. حين يضعف البيت، وتضطرب المدرسة، وتفقد القدوة وزنها، ويتحول الإعلام إلى مصنع للتفاهة، فلا تتعجب من جيل يعرف أسماء المشاهير أكثر مما يعرف تاريخه! عندها تصبح الأمة سهلة الاستدراج، لأن المشكلة في خلل الإنسان نفسه.

ومن هنا، فإن من يظن أن النهضة تبدأ من تقليد الشرق أو الغرب، لم يفهم معنى النهضة أصلا! نعم، نتعلم من الجميع، ونستفيد من الخبرات، ونأخذ بأسباب القوة، وننفتح على العالم، لكن دون أن نتحول إلى نسخة مقلدة من أحد، فالتقليد لا يصنع حضارة.

الأمة لا تهزم فقط حين تخسر حربا، بل تهزم قبل ذلك حين تفقد ثقتها بنفسها، وتشك في صلاحية قيمها، وتتعامل مع تاريخها كعبء بسبب التشويه الغربي له، وتتعامل مع دينها كموضوع ثانوي، ومع تربيتها كأمر هامشي.

لذلك، حين نقول إن البداية الصحيحة هي التربية والتعليم، فنحن نتحدث عن معركة وجود، وهنا أنا لا أبالغ والله. إما أن نبني إنسانا يملك وعيا ورسالة، فتأتي بعده السياسة في مكانها الطبيعي، أو أن نكتفي بتغيير الشكل، بينما الجوهر يزداد ضعفا.

السياسة مهمة، نعم. الاقتصاد مهم، نعم. الإعلام مهم، نعم.. لكن من الذي سيدير هذا كله؟ من الذي سيحميه من الفساد والانحراف والسطحية؟ من الذي سيمنحه روحا ومعنى واتجاها؟ إنه الإنسان. فإذا فسد الإنسان، أفسد السياسة والاقتصاد والإعلام والتعليم نفسه، وإذا صلح، ستبدأ عملية النهوض بإذن الله.

نحن لا نحتاج شرقا جديدا ولا غربا جديدا. نحن نحتاج إنسانا مسلما جديدا، إنسانا موصولا بقيمه، واثقا بهويته، قادرا على الجمع بين الإيمان والوعي، وهذا هو أول الطريق.

باختصار.. النهضة لا تبدأ حين نقلد مشروعا غربيا، بل حين نعرف من نكون. وما لم نعد إلى الإنسان تربية وتعليما ووعيا، سنبقى ندور في الدائرة نفسها، بينما يبقى أصل الأزمة كما هو.

خالد ناصر الكواري

زر الذهاب إلى الأعلى