Site icon العربي الأصيل

لبنان يسحب الموافقة على اعتماد السفير الإيراني ويطالبه بالمغادرة

في خطوة دبلوماسية غير مسبوقة في العلاقات بين بيروت وطهران، استدعت وزارة الخارجية اللبنانية القائم بالأعمال الإيراني في لبنان توفيق صمدي خوشخو، حيث قابله الأمين العام السفير عبد الستار عيسى وأبلغه قرارَ الدولة اللبنانية سحبَ الموافقة على اعتماد السفير الإيراني المعيَّن محمد رضا شيباني، وإعلانه شخصاً غير مرغوب فيه، مع مطالبته بمغادرة الأراضي اللبنانية في موعد أقصاه الأحد المقبل الواقع في التاسع والعشرين من آذار/مارس 2026.
وتساءل لبنانيون هل ذلك رد جميل لإيران بطرد سفيرها بعدما توعّد الحرس الثوري الإيراني أمس بضربات «قوية» بالصواريخ والمسيّرات على إسرائيل، إذا استمرّت «في جرائمها في حقّ المدنيين في لبنان وفلسطين»، فيما كثّفت الدولة العبرية ضرباتها على معاقل حزب الله في اليوم الخامس والعشرين من الحرب. وجاء في بيان للحرس الثوري «نحذّر جيش النظام الإجرامي من أنه في حال تواصلت الجرائم في حقّ المدنيين في لبنان وفلسطين»، فإن القوّات الإسرائيلية ستكون عرضة لضربات قوية بالصواريخ والمسيّر.

استدعاء السفير

وفي السياق ذاته، استدعت وزارة الخارجية سفيرَ لبنان في إيران أحمد سويدان للتشاور، وذلك على خلفية ما وصفته الدولة اللبنانية بانتهاك طهران لأعراف التعامل الدبلوماسي وأصوله المرعية بين البلدين. وبعد التحليلات التي فسّرت الخطوة على أنها قطع للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين، أوضحت الخارجية اللبنانية في بيان أنه «في ضوء ما يتم تداوله في وسائل يهم الوزارة إيضاح ما يلي:
قرار سحب الموافقة على اعتماد السفير الإيراني محمد رضا رؤوف شيباني سنداً للمادة 9 من اتفاقية فيينا للعلاقات الديبلوماسية، لا يعتبر قطعاً للعلاقات الديبلوماسية مع ايران، بل هو تدبير بحق السفير لمخالفته أصول التعامل الدبلوماسي وموجباته كسفير معين في لبنان. فالمادة 41 من الاتفاقية المشار إليها تمنع الدبلوماسيين من التدخل في الشؤون الداخلية للدول المعتمدين لديها، والسفير شيباني أدلى بتصاريح تدخّل فيها في السياسة الداخلية للبنان وقيّم القرارات المتخذة من قبل الحكومة، إضافة إلى ذلك أجرى لقاءات مع جهات لبنانية غير رسمية دون المرور بوزارة الخارجية». وختمت الخارجية بالتأكيد أنها تحرص دائماً على أفضل علاقات الصداقة مع الجمهورية الإيرانية وغيرها من الدول، علاقات ندية مبنية على الاحترام المتبادل وعدم التدخل بشؤون الغير.

جعجع والكتائب يرحّبان

وتعليقاً على هذه الخطوة، قال رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع «حسنًا فعلت الحكومة اللبنانية بقرار طرد السفير الإيراني والوزير يوسف رجي بحث في هذا القرار مع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة». وأضاف: «قرار طرد السفير الإيراني كان يجب اتخاذه منذ فترة زمنية طويلة بسبب تدخل إيران في لبنان والأحداث الأخيرة التي حصلت في لبنان أثبتت بما لا يحتمل الشك أن الحرس الثوري موجود في لبنان على الأقل بمئات الأشخاص وهو يدير العمليات مباشرة». واعتبر أن كل الخسائر التي يتكبدها لبنان في الحرب يجب أن ترفعها الحكومة اللبنانية إلى إيران لتقوم بسدادها، فليست الحكومة اللبنانية من اتخذ قرار الحرب ولن نقبل أن يُدفع قرش واحد من خزينة الدولة لتعويض الخسائر أي من جيب المواطن اللبناني.

وأكد النائب بلال الحشيمي في بيان أن القرار الذي اتخذته الدولة اللبنانية بطرد السفير الإيراني، هو خطوة سيادية جاءت في مكانها الصحيح، وإن كانت متأخرة، وهي تعبّر عن بداية استعادة القرار الوطني وصون كرامة لبنان وعلاقاته العربية.
كذلك، رحّب المكتب السياسي لحزب الكتائب بطرد السفير الإيراني الذي انتهك كل المواثيق والاتفاقات الدولية التي ترعى العلاقات الدبلوماسية بين الدول، معتبراً أنها خطوة في الاتجاه الصحيح على طريق تثبيت سيادة الدولة، ويجب أن تُستكمل بفرض سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.

الثنائي الشيعي

في المقابل، يبدو أن «الثنائي الشيعي» (حزب الله وحركة أمل) يرفض مغادرة السفير الإيراني، وذكرت أنباء أن رئيس مجلس النواب نبيه بري قال للسفير «ممنوع أن تغادر». وأكد بري لرئيس الجمهورية أن قرار طرد السفير الإيراني لن يمر.
أما حزب الله فأعلن إدانته ورفضه بشكل قاطع القرار الصادر عن وزارة الخارجية اللبنانية والمنفلت من أي مسوّغ قانوني والقاضي بسحب الموافقة على اعتماد السفير الإيراني المعيّن لدى لبنان محمد رضا شيباني، وإعلانه شخصًا غير مرغوب فيه، ومطالبته بمغادرة الأراضي اللبنانية.
وأكد في بيان أنه خطوة متهورة ومدانة لا تخدم مصالح لبنان الوطنية العليا ولا سيادته ولا وحدته الوطنية، بل تشكل انقلابًا عليها وانصياعًا واضحا للضغوط والإملاءات الخارجية، وتعديًا صارخًا على صلاحيات رئيس الجمهورية»، قائلاً «ما الذرائع الواهية التي استند إليها هذا القرار التعسفي باتهام السفير بالتدخل بالشؤون الداخلية للبنان إلا تأكيد إضافي على أنه قرار كيدي سياسي بامتياز، يفتقر إلى الحد الأدنى من الحكمة والمسؤولية الوطنية.
وأكد الحزب أن هذا الإجراء المشبوه الذي يأتي في توقيت بالغ الخطورة، يحتاج لبنان لمواجهته إلى تكاتف جميع أبنائه بمختلف مكوناتهم السياسية والحزبية والثقافية والاجتماعية، وإلى موقف رسمي موحد لتعزيز عناصر المنعة بهدف فرض وقف العدوان على العدو الإسرائيلي وإجباره على الانسحاب من الأراضي التي يحتلها، إذ يختار وزير الخارجية الاصطفاف في الموقع الذي لا يخدم بأقواله وأفعاله إلا العدو الصهيوني، ويعمل عن دراية أو من دونها وانطلاقًا من عقلية حزبية ضيقة وحاقدة على إضعاف الدولة اللبنانية وتجريدها من عناصر التماسك التي تحتاجها في هذه المرحلة الدقيقة والحساسة، ويدفع في اتجاه تقديم المزيد من التنازلات خدمة للعدو بهدف تمهيد الطريق لوضع لبنان كاملاتحت الوصاية الأمريكية ـ الإسرائيلية.

إيران تهدد إسرائيل بضربات «قوية» إذا واصلت جرائمها ضد اللبنانيين والفلسطينيين

وأضاف: ما يزيد هذا القرار خطورة وفجاجة أنه يصدر عن الوزير نفسه الذي يمتهن الصمت المطبق تجاه التدخلات الأمريكية السافرة في لبنان وتجاه تصريحات مسؤوليها ومبعوثيها التي أساءت إلى لبنان وحرّضت عليه وعلى مكون أساسي فيه. ولكنه في المقابل يفرد عضلاته أمام الدولة الصديقة التي لم تبخل يومًا على لبنان بالدعم والمساندة، والتي وقفت إلى جانب شعبه في أحلك الظروف، وساهمت في تعزيز قدرته على حماية أرضه وشعبه، من دون أن تتدخل يومًا في شؤونه الداخلية أو تمسّ بسيادته، بل حافظت على علاقات طيبة ومتينة مع لبنان.

واعتبر الحزب أن هذا القرار يشكل خطيئة وطنية واستراتيجية كبرى لا تخدم الوحدة الوطنية، بل تفتح أبواب الانقسام الداخلي، وتُعمق الشرخ الوطني، وتدخل البلاد في مسار بالغ الخطورة من الارتهان والضعف والانكشاف»، داعياً «رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة إلى مطالبة وزير الخارجية، الذي بات يفتقد إلى الأهلية الوطنية نتيجة تقديم المصالح الحزبية على مصلحة لبنان وأمنه واستقراره، بالتراجع الفوري عن هذا القرار لما له من تداعيات خطيرة، وعلى الوزير وحزبه أن يتصرّفا بحكمة وروية وأن يعيا المخاطر التي تحيط بلبنان، وأن يدركا أن حماية سيادة لبنان لا تكون بالخضوع للإملاءات الخارجية، ولا باستعداء مكون أساسي من مكونات الوطن أو استعداء الدول التي ساندت لبنان ووقفت إلى جانبه، بل تكون بالتكاتف الوطني، وبمواجهة العدو الحقيقي الوحيد لهذا البلد، وهو العدو الصهيوني.

عناصر حزب الله

وترافق قرار سحب الاعتماد للسفير شيباني مع توقيف عنصرين من «حزب الله» بناء على قرار قاضية التحقيق الأول في المحكمة العسكرية غادة أبو علوان التي أصدرت مذكرتي توقيف وجاهيتين بحق مقاتلَين من «حزب الله»، بعد العثور معهما على 21 صاروخ غراد و8 رشاشات و3000 طلقة وبعد التحقيق معهما وادعاء النيابة العامة العسكرية عليهما بموجب المادة 288 من قانون العقوبات بجناية.
وتم تحويل الموقوفَين حاليًا إلى المحكمة العسكرية الدائمة برئاسة العميد وسيم فياض لمحاكمتهم علماً أن رئيس المحكمة سبق أن أفرج قبل ايام عن ثلاثة عناصر من «الحزب» بكفالة مالية قدرها 900 ألف ليرة لبنانية فقط.
في الموازاة، نفّذ محامون وقفة احتجاجية أمام باحة المحكمة العسكرية، وأصدروا بياناً جاء فيه نرفض ونستنكر توقيف المقاومين، إذ إن المقاومة ليست خيارًا سياسيًا عابرًا بل حق كرّسته الشرائع وأكده الدستور اللبناني ويندرج في إطار حق الدفاع الذي تكفله المواثيق الدولية، معتبرين أن توقيف المقاومين وإحالتهم إلى القضاء يشكل سابقة خطيرة وانتهاكًا لأبسط القواعد القانونية والوطنية كما محاولة توصيف فعل المقاومة على أنه خارج عن إطار الشرعية.
وشدد المحامون في بيان على أن محاولة توصيف فعل المقاومة على أنه خروج عن الحياد هو تبرير مرفوض قانونًا وواقعًا، إذ لا حياد في مواجهة عدو يحتل الأرض وينتهك السيادة ويرتكب الجرائم بحق الوطن وشعبه، في وقت تجرّم فيه القوانين اللبنانية نفسها أي شكل من أشكال التعامل معه.
وأشاروا إلى انه «من غير المقبول أن يُكافأ المقاومون بالملاحقة القضائية، وملاحقتهم لا تمثل مجرد خطأ بل جريمة وطنية موصوفة» يتحمل مسؤوليتها كل من بررها أيًا كان موقعه.
وطالبوا بوقف الملاحقات وإخلاء سبيل الموقوفين عن أفعال تندرج ضمن الحق المشروع في المقاومة، وختموا أن الدول التي تحترم نفسها تكرّم مقاوميها ولا تسعى إلى محاصرتهم أو تشويه صورتهم.
وتقدّمت المحامية مي الخنساء بطلب إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري بهدف إجراء مساءلة دستورية وبرلمانية عاجلة للحكومة ورئيسها، والعمل على طرح الثقة بها عند الاقتضاء، على خلفية سياسات ومواقف تمس السيادة الوطنية والمصلحة العليا للدولة اللبنانية والوقوف ضد شريحة بعينها وطلب توقيف المقاومين.

Exit mobile version