Site icon العربي الأصيل

ملفات اليهودي إبستين تكشف الفساد العالمي

أحدثت ملفات جيفري إبستين الجديدة، التي أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية، صدمة متجددة في كشف مدى الترابط بين النفوذ المالي والسياسي، وبين الانتهاكات الشخصية والجماعية على نطاق عالمي. وتزيد هذه الدفعة عن ثلاثة ملايين وثيقة، تكشف تورط العديد من الشخصيات العامة والأثرياء وأصحاب النفوذ، وتضيف إلى الرصيد المتزايد من الأدلة على وجود روابط مباشرة بين إبستين والحكومة الإسرائيلية، وبينه وبين لوبيات عالمية مؤثرة في السياسة والاقتصاد وحتى الاستخبارات.
في الوثائق، يُذكر إيهود باراك، رئيس وزراء إسرائيل السابق، عدة مرات، حيث تشير الأدلة إلى أنه وزوجته حافظا على علاقة وثيقة مع إبستين حتى بعد إدانته بجرائم جنسية في 2008. وتُظهر رسالة إلكترونية أُرسلت في أيلول/سبتمبر 2016، خلال سباق الانتخابات الأمريكية، أن باراك أبلغ إبستين بأن المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون ستُجري مقابلة مع قناة إسرائيلية، واستفسر عما إذا كان دونالد ترامب، الذي أصبح لاحقًا رئيسًا، مهتمًا بمقابلة قناة منافسة، معتبرًا أن هذه المقابلة ستجذب نسبة كبيرة من الإسرائيليين ومعظم المواطنين الأمريكيين في إسرائيل.
كما أصدرت وزارة العدل تسجيلًا صوتيًا لمحادثة في شباط/فبراير 2013 بين إبستين وباراك، ناقشا خلالها شركة التحليلات المثيرة للجدل «بالانتير». وأخبر إبستين باراك أنه لم يلتقِ مؤسس الشركة بيتر ثيل، وأن الأخير معروف بسلوكيات غريبة، فيما اتفق باراك معه.
وثائق أخرى تكشف تورط إبستين في تقديم نصائح دبلوماسية لرئيس وزراء الهند ناريندرا مودي بشأن ترتيب زيارة إلى إسرائيل عام 2017، بتنسيق من الملياردير الهندي وصديق مودي أنييل أمباني. ووصف إبستين الزيارة بأنها «نجحت»، مشيرًا إلى أن مودي رقص وغنى في إسرائيل لصالح الرئيس الأمريكي». ونفت وزارة الخارجية الهندية أي أهمية لتحليل إبستين، واعتبرته مجرد «تأملات تافهة لمجرم مدان.
إلى جانب ذلك، تظهر الوثائق مخططًا للاستيلاء على أصول ليبيا المجمّدة بعد الإطاحة بالزعيم معمر القذافي، بما يقارب 80 مليار دولار، وطلب الدعم من عملاء MI6 والموساد، مع توقع تحقيق مليارات من الأرباح والسيطرة على إعادة إعمار ليبيا. وتكشف هذه الوثائق أن الشبكات التي كان يبنيها إبستين لم تقتصر على مصالحه الشخصية، بل امتدت إلى مشاريع اقتصادية وسياسية دولية، بما فيها إعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع تأثيرات مباشرة على سياسات الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين.
كما تكشف الملفات عن تبرعات طلبتها مجموعات أمريكية مؤيدة لإسرائيل، مثل Hillel في جامعة هارفارد، من إبستين في 2010 و2011، رغم إعلان الجامعة لاحقًا قطع العلاقات المالية معه. وكتبت الصحافة المستقلة، مثل صحيفة «Harvard Crimson»، أن الوثائق الجديدة تعزز الأدلة على الروابط بين إبستين وأفراد ومنظمات مرتبطة بالجامعة، حتى بعد إعلانه مجرمًا مدانًا.
وفي الوقت نفسه، حاولت وسائل الإعلام الرئيسية في الولايات المتحدة وبعض الصحف العالمية توجيه الانتباه بعيدًا عن إسرائيل، من خلال الحديث المكثف عن احتمال أن يكون إبستين جاسوسًا أو عميلًا لروسيا، أو التركيز على مصالحه الافتراضية مع أطراف روسية. وقد أدّت هذه التغطية إلى تشتيت الرأي العام عن حقيقة الصلات الحقيقية بين إبستين وإسرائيل واللوبيات العالمية المؤثرة، بما في ذلك الدعم المباشر للسياسات الإسرائيلية التي تؤثر على الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية.
هذه المحاولات الإعلامية لتوجيه النقاش بعيدًا عن إسرائيل ليست حدثًا عشوائيًا، بل هي جزء من استراتيجية أوسع لتغطية الفساد المستشري على أعلى المستويات. وبينما يُسلَّط الضوء على روسيا أو على شخصيات بعيدة عن القضية الحقيقية، يظل الشعب الفلسطيني في غزة يعاني الحصار المستمر، وانقطاع الكهرباء والمياه، وتدمير المنازل والبنية التحتية. ويثبت النظام العالمي الذي يسمح باستمرار هذه الشبكات الفاسدة يوميًا أن مصالح الشعوب المقهورة لا تحظى بأي اعتبار أمام النفوذ السياسي والمالي.
وفي محاولات سابقة لتفسير ثروة جيفري إبستين الغامضة، ركزت بعض الصحف الأمريكية، مثل «نيويورك تايمز»، على تفاصيل سطحية من حياته المالية والشراكات التجارية المبكرة، معتبرة أن أمواله نتجت عن استراتيجيات «تجنب ضرائب» واستغلال المستثمرين، مع تجاهل علاقاته بالشخصيات المخابراتية وشبكات الأسلحة العالمية. وركزت هذه التغطية على عناصر جانبية، مثل مشاركته مع محامٍ في بنتهاوس، أو رفضه دفع عمولات للوسطاء، بهدف تقديم تفسير بسيط وغير مثير للجدل عن ثروته، بدلًا من البحث في علاقاته المحتملة مع أجهزة الاستخبارات، أو دوره في شبكة معقدة من الأعمال المالية والعسكرية.
ويوضح الواقع في غزة حجم الكارثة: أطفال يموتون، ومدنيون يُرحّلون، والمدارس والمستشفيات تتعرّض للقصف، بينما الإعلام والمجتمع الدولي يتجاهلان الانتهاكات المستمرة. الإفراج عن ملفات إبستين يكشف مرة أخرى أن الأشخاص والمؤسسات التي ارتبطت به لن تواجه أي عواقب، ولن تُغير الحكومات أي شيء في سياساتها تجاه فلسطين، سواء كان ذلك على المستوى السياسي، أو العسكري، أو الاقتصادي. ولن تُقَرّ قوانين حقيقية، ولن تُجرى ملاحقات قضائية ذات أثر ملموس.
والجانب الإيجابي الوحيد الممكن هو أن تُفتح عيون الناس على مدى القبح والفساد في النظام العالمي الذي يسمح بمثل هذه الشبكات المترابطة: فساد إسرائيل، فساد الرأسمالية الغربية، ونظام عالمي يرفع أشخاصًا مختلين إلى مواقع القيادة والسيطرة، بينما يُترك الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية يعاني الحصار والتهجير والقتل.
ولن يوقف الإفراج عن ملفات إبستين هذه السياسات ولن يحمي الفلسطينيين، لكنه قد يدفع بعض الناس خطوة إضافية نحو إدراك أن النظام العالمي مختلّ، وأن التغيير الحقيقي لا يأتي من التصويت أو الرسائل إلى النواب، بل من الاستيقاظ على الواقع والمطالبة بمحاكمة القوى التي تسمح باستمرار الظلم في فلسطين. كل كشف جديد يضيف حجرًا إلى وعي شعوب العالم بأن الحرية والعدالة لن تتحقق إلا حين يُسقط النظام الذي يرفع الفاسدين إلى السلطة ويترك غزة وغربتها محرومة من أبسط حقوقها الإنسانية.

Exit mobile version