Site icon العربي الأصيل

لا ملاذ أمن للاجئين في مصر

شهدت مصر في الفترة بين أواخر ديسمبر/كانون الأول ونهاية يناير/كانون الثاني الماضيين تصعيداً غير مسبوق في السياسات والممارسات الرسمية تجاه اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين، حسب «منصة اللاجئين في مصر».

نمط ممنهج

قالت المنصة في تقرير حمل عنوان «لا ملاذ أمن»، إن الإجراءات المتخذة في هذه الفترة تجاوزت الطابع المتفرِّق أو العَرَضي لتتبلور في شكل نمط ممنهج من الإبعاد القسري المقنّع، استهدف على نحوٍ خاص المجتمعات السورية والسودانية في عدد من المحافظات المصرية.
ومنذ 20 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، رصدت المنصّة تصاعدًا حادًّا ومتواصلافي عمليات توقيف اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين، اتّسم هذه المرة بسمات أكثر حدّة واتساعًا مقارنة بالهجمات السابقة، ليتحوّل إلى حملة أمنية ممتدّة تتجاوز الشهر.
تمثّل هذا التصعيد في تنفيذ مداهمات واقتحامات لمساكن لاجئين ولاجئات في بعض المناطق، إلى جانب تسجيل عشرات حالات التوقيف.
وشملت عمليات التوقيف أشخاصًا يحملون تصاريح إقامة سارية أو في طور التجديد، بما يعكس تعامُلاينظر إلى وجود اللاجئين نفسه كمشكلة أمنية بصرف النظر عن الوضع القانوني الفعلي لحاملي الإقامات.
وجاءت الحملة متزامنة مع ما شهده الفضاء الرقمي في مصر من موجة منظَّمة من خطابات الكراهية والتحريض ضد اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين، تزامنت مع التصعيد الأمني على الأرض واستُخدمت عمليًّا لتبريره وتطبيعه مجتمعيًّا.
ورصدت المنصّة تنشيطًا مكثّفًا لعدد كبير من الحسابات على منصّات التواصل الاجتماعي، كثير منها بلا هوية واضحة أو ببيانات تعريفية مضلِّلة، عمدت إلى نشر روايات كاذبة أو غير موثَّقة عن اللاجئين، وربطت وجودهم بالجريمة والانهيار الاقتصادي، وتعميم وقائع فردية، حقيقية أو مختلَقة، لتأليب الرأي العام ضدهم على أساس الجنسية أو اللون.
وتناول التقرير كيف وثّق بيان حقوقي مشترك صادر عن منظمات مصرية ودولية تصعيدًا غير مسبوق في السياسات والممارسات تجاه المواطنين السوريين المقيمين واللاجئين في مصر، عبر تغييرات إدارية وقانونية مفاجِئة رافقتها حملات أمنية واسعة.
ووصف البيان ما يجري بأنه سياسة «ترحيل قسري مقنَّع» تتجاوز مجرد «تطبيق قواعد الإقامة»، وتهدف عمليًّا إلى دفع السوريين إلى مغادرة البلاد تحت ضغط الخوف من التوقيف والاحتجاز والإبعاد، في ظل انتشار كمائن أمنية وحملات مداهمة في أحياء معروفة بتجمّع السوريين في القاهرة والجيزة والإسكندرية وغيرها، مع توقيف أفراد وعائلات في الشوارع وأماكن السكن والعمل والتجارة لمجرّد الاشتباه في غياب الإقامة السارية، ما خلق موجة واسعة من الخوف والانسحاب شبه القسري من الفضاء العام.

ووفق المنصة، هذا النمط يمثل تحولانوعيًّا، إذ لم تشهد المجتمعات السورية في مصر حملة أمنية بهذا الاتساع والاستمرارية منذ التحولات السياسية في أواخر 2013، حيث امتدت الهجمة الحالية على مدى أسابيع، مع استمرار التوقيفات وأوامر الإبعاد والترحيل، بينما ما زالت حملات التوقيف مستمرة في القاهرة الكبرى والإسكندرية ضد السوريين.
وحسب المنصة، اتسمت الحملة التي ما زالت مستمرة، بأنها تتركز في مناطق ذات كثافة سودانية مرتفعة مثل فيصل، مدينة نصر، و6 أكتوبر، إضافة إلى أحياء أخرى في القاهرة الكبرى والإسكندرية معروفة بوجود مجتمعات سودانية وإفريقية.
وزادت: شملت الإجراءات حملات تفتيش واستيقاف يومية، وتوقيف أفراد في الشارع أو أمام محلاتهم أو من داخل مساكن مشتركة، مع نقل مئات في كل المناطق إلى أقسام شرطة ومقار احتجاز تمهيدًا لإعادتهم إلى محافظات حدودية أو ترتيبات ترحيل لاحقة، واتسمت الحملة بالشراسة، إذ يتم توقيف الجميع بلا استثناء وبأعداد كبيرة، يتم نقلهم/هن، عبر سيارات الشرطة الرسمية وغير الرسمية لأقسام شرطة ومعسكرات أمنية قريبة من مكان التوقيف.
ووثقت المنصة حملات تفتيش واسعة على المحالّ والمقاهي والمطاعم التي يديرها أو يعمل بها لاجئون، لا سيما سوريين وسودانيين، إلى جانب حملات استيقاف في الأحياء التي يقيمون فيها، تضمنت استهداف واقتحام مساكن اللاجئين في مناطق مختلفة من بينها السادس من أكتوبر ومدينة نصر وفيصل والقطامية والدقي وأرض اللواء، وشملت الحملة تفتيشًا للشقق المستأجرة من أجانب في العديد من دوائر أقسام الشرطة في القاهرة الكبرى.
وبينت في تقريرها، أن الحملة شملت توقيفات على الطرق المؤدية من أو إلى المناطق والأحياء المعروفة بكثافة عالية من اللاجئين، خاصة السوريين والسودانيين، وتوقيفات تمت في محطات قطار المترو في القاهرة الكبرى، حسب إبلاغ العائلات، وأيضا في مواقف الحافلات العامة، وتوقيفات واحتجاز أشخاص كانوا في مدارس، سواء كانوا مدرسين أم طلابًا، واقتحام عناصر الأمن لمدارس سودانية في مناطق فيصل وأرض اللواء في القاهرة الكبرى. وحسب المنصة، شملت التوقيفات مسجَّلين لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وبعض من لديهم تصاريح إقامة سارية أو منتهية حديثًا وكانوا في انتظار استكمال إجراءات التجديد، وكذلك من يحملون بطاقات لجوء تخوّلهم قانونًا استصدار الإقامة، ومن لديهم مواعيد تسجيل أو بانتظار تصريح الإقامة.
وكشفت المنصة عن مسار ما بعد التوقيف: نمط إجرائي مقلق يحوّل الاحتجاز من مسار قضائي خاضع للرقابة إلى مسار إداري-أمني مغلق، تُهمَّش فيه الضمانات القانونية الأساسية، ويفتح الباب واسعًا أمام الترحيل القسري والإخفاء. وتشير ملفات المتابعة القانونية للعيادة القانونية في منصّة اللاجئين في مصر، إلى جانب شهادات العائلات والموقوفين/ات أنفسهم، إلى تكرار نمط متقارب في أغلب الحالات التي وثّقها هذا التقرير.
وزادت: بعد توقيف الأشخاص، يتم نقلهم عبر سيارات الشرطة لمقر الاحتجاز الأوّلي؛ قسم الشرطة، ويبقون هناك لعدة ساعات أو ليلة بحد أقصى.
ووثقت عدة شهادات أفادت بالاعتداء على الموقوفين في أثناء توقيفهم في حالة عدم الانصياع ومحاولة شرح وضعهم القانوني لضباط الحملة الأمنية.
وأفادت شهادات بالإفراج عن عدد من الموقوفين قبل تسجيلهم في المحاضر الرسمية بعد دفع مبلغ مالي للضباط، تراوح في شهادات مختلفة بين ألفين وخمسة آلاف جنيه.

قرارات النيابة

وحسب التوثيق، يُعرَض العديد من الموقوفين على النيابة العامة بتهم تتعلق بالإقامة بشكل غير نظامي في مصر، في حين تُحجَب عن النيابة بعض المستندات الشخصية التي قدّمها الموقوفون للضباط وقت التوقيف، مثل بطاقات المفوضية أو ما يثبت وجود مسار قائم لتجديد الإقامة، وتصدر قرارات النيابة العامة لجميع من تم عرضهم عليها بإخلاء سبيلهم، وتذَيِّل القرار بعبارة «الجهة الإدارية وشأنها»، التي سيأتي مدلولها لاحقًا، ولا تنفذ أقسام الشرطة قرار النيابة بإخلاء سبيل الموقوفين/ات، إذ يستمر احتجازهم.
وفي التفاف عملي على قرار النيابة العامة وتحويل الاحتجاز من مسار قضائي إلى مسار إداري ـ أمني مغلق تقوم أقسام الشرطة باحتجاز من صدر قرار بإخلاء سبيلهم لديها على ذمة العرض على كل من «قطاع الأمن الوطني وإدارة الهجرة والجوازات والجنسية وإدارة مكافحة الهجرة غير الشرعية»، الأمر الذي يعد احتجازًا إداريًّا.
وواصلت المنصة في تقريرها: تُبلَّغ عائلات الموقوفين في كثير من الأحيان هاتفيًّا أو شفهيًّا بصدور قرارات ترحيل بحق أبنائها أو بناتها، من دون تمكينهم من الاطلاع على هذه القرارات أو الحصول على نسخ منها، أو ممارسة حقهم في الطعن القضائي قبل التنفيذ، ما يحوّل قرارات الإبعاد عمليًّا إلى إجراءات سرّية خارج أي إطار شفاف أو قابل للمساءلة، وفي حالات أخرى، تبقى العائلات في حالة بحث مستمر عن مصير ذويها بعد توقيفهم، دون تلقي أي معلومة رسمية عن مكان احتجازهم أو الإجراء المتخذ بحقهم، بما يرقى في بعض الوقائع إلى نمط من الاختفاء القسري بالمعنى الواسع الذي تحذّر منه الآليات الأممية.

زنازين ضيّقة

وعن ظروف الاحتجاز، نقلت المنصة شهادات تفيد بأن كثيرًا من اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين المحتجزين خلال الحملة الأمنية الحالية، يُحتجَزون في ظروف سيئة للغاية، تتسم باكتظاظ أماكن الاحتجاز وغياب الرعاية الطبية الملائمة، بما يعرّض الفئات الأكثر هشاشة لخطرٍ بالغ على حياتهم وسلامتهم الجسدية والنفسية.
وبينت عائلات ومحامون تحدثت إليهم المنصة أن المحتجزين يُكدَّسون في زنازين ضيّقة، مع نقص حاد في أماكن النوم والتهوية، وضعف شديد في النظافة، وغياب للطعام والمياه الكافِيَيْن، في امتداد لأنماط موثّقة سابقًا عن أوضاع الاحتجاز في مصر عامة، وصفتها تقارير دولية بأنها قاسية وغير إنسانية، وتسبب حالات وفاة نتيجة الإهمال الطبي.

Exit mobile version