تشكّلت الهوية في جزيرة غرينلاند نتيجة الصراع الدائم حول امتلاك حق تحديد الانتماء، وعاش المجتمع الغرينلاندي سنوات طوال في حالة ارتباك بين الذاكرة الموروثة والسرديات المفروضة.
قد تساهم التضاريس والمناخ والموقع في تشكل العادات والتقاليد، لكن ذلك الصراع الذي ترك آثاره على أرواح أبناء الجزيرة وأجسادهم صنع ما يشبه السوار الذي جمعهم في منظومة قيم واحدة، وهدف موحد.
لا يطفو ذلك الصراع على سطح السياسة أو الاقتصاد إلا نادرا، لكنه يتجلى دائما في الجسد واللغة والعلاقات الأسرية، وفي الشعور الخفي بالتربص استعدادا للانقضاض.
أخرجت الفيلم الوثائقي “استعمار مزدوج” (Twice Colonized) الدنماركية الغرينلاندية لين ألونا، التي عُرفت بأعمالها الوثائقية التي تتناول قضايا الهوية والاستعمار وحقوق الشعوب الأصلية تلك المساحة كشهادة إنسانية أكثر منه فيلما. وتستخدم ألونا حياة المحامية الإنويتية “آغو بيتر” للتوغل في عمق الجرح والحديث عن ذلك الاستعمار الذي يرفض الجلاء عن الروح.
وآغو بيتر محامية وناشطة من الإنويت (السكان الأصليين لغرينلاند)، تشكلت حياتها عبر النزوح والفقدان والصمود. لا يفتعل الفيلم أي بطولة لها، ولكنه يقدمها كشخصية تحمل ذاكرة الألم وتنقلها للأجيال. تتنقل بين غرينلاند وكندا والدنمارك، فتكشف في كل مرة جزءا من قصتها، وقصة شعبها. تستعيد ذكريات نشأتها، ودراستها للقانون، وعملها في الدفاع عن حقوق السكان الأصليين.
المدهش في آغو بيتر أنها لا تفصل صدماتها الشخصية عن ميراث شعبها من الأزمات والصدمات، لذلك هي ترفض تماما فصل الفردي عن الجماعي، وتعتبر صدماتها جزءا من ميراثها.
تعبر آغو عن نقطة تحول تحدد رسالة الفيلم، فتقول: “لم يعد السؤال هو لماذا… بل كيف – كيف نوقف هذا؟” تشير الجملة إلى توقف تام عن البحث لإيجاد التفسير والانتقال إلى تولي المسؤولية، لأن تسمية الظلم لم تعد كافية، يجب أن يتوقف.
احتلال متعدد الطبقات
يشير عنوان الفيلم “استعمار مزدوج” إلى تجربة هيمنة متعددة الطبقات، الأولى هي خضوع غرينلاند الطويل للسيطرة الدنماركية، والتي شكلت التعليم واللغة والحكم والأعراف الاجتماعية. ورغم أن الدنمارك غالبا ما تصف هذه العلاقة بأنها تنموية، إلا أن الفيلم يكشف كيف كانت “الرعاية” في كثير من الأحيان بمثابة سيطرة.
أما الطبقة الثانية فهي الاستعمار الداخلي، والتي يتم خلالها التطبيع مع المستعمر نفسه، فتتحول القيم الاستعمارية أعلى من المنظومة القيمية الأصلية لأهل البلاد. ويشمل ذلك الشعور بالخزي تجاه لغة السكان الأصليين، وعدم الثقة في معارفهم، والاعتقاد بأن الاعتراف يجب أن يأتي من الخارج.
الاستعمار الداخلي يعني استمرار الهيمنة حتى بعد تغيير السياسات، إذ يبدأ الفرد الخاضع للاستعمار في مراقبة نفسه، غالبا دون وعي، مما يؤدي إلى إعادة إنتاج المعايير نفسها التي استبعدته في السابق.
اختار صناع فيلم “استعمار مزدوج” الجسد كأرشيف للتاريخ. فهو يرصد فرض العلاج بالطريقة الاستعمارية رغم امتلاك السكان الأصليين لمنظومة طبية متكاملة، ويرصد التدخل في انفصال الأسر، وهو اختيار بديل عن الحجج والجدل والبراهين، ليست شواهد إنما أدلة مادية.
وتتحدث آغو بصراحة عن الفقد والانقطاع، وتربط الألم الشخصي بالتاريخ الجماعي. في لحظة وردت في مقتطف من مقابلة استخدمت في تغطية الفيلم، تقول: “لقد نسيتم لغتنا، وثقافتنا، وروابطنا”.
وتؤكد هذه الشهادة على الطريقة التي يقطع بها الاستعمار التواصل بين الأجيال، إذ إن فقدان اللغة هنا ليس لغويا فقط، بل هو فقدان القدرة على الشعور بالعالم وتسميته.
وعلى عكس الأفلام الوثائقية التي تهدف إلى تفسير التاريخ الاستعماري، يقاوم فيلم “استعمار مزدوج” فكرة طيّ الصفحة. فهو لا يقدم المصالحة أو الشفاء كغاية نهائية، بل يؤكد على الذاكرة كواجب أخلاقي.
ويتماشى هذا النهج مع الحركات العالمية التي تتحدى الروايات الرسمية لفكرة “تجاوز الماضي”. ففي غرينلاند، كما في العديد من المجتمعات التي كانت مستعمرة سابقا، غالبا ما تصوَر الدعوات إلى النسيان على أنها نضج أو تقدم. يرفض الفيلم هذا المنطق، إذ يرى أن النسيان شكل آخر من أشكال العنف.
لغة وثائقية مختلفة
يتجنب العمل تقاليد الأفلام الوثائقية التفسيرية أو الاستقصائية، فلا يوجد راو عليم بكل شيء، ولا درس زمني، ولا خاتمة مطمئنة. وبدلا من ذلك، يستخدم الفيلم: الشهادة بدلا من السرد والصمت بدلا من الاستعراض والذاكرة بدلا من الإحصاءات. ويعكس هذا الخيار الجمالي موقفا أخلاقيا واضحا: لا يمكن تلخيص الصدمة الاستعمارية دون تشويهها، بل يجب الاستماع إليها وفقا لشروطها الخاصة.
يجبر إيقاع الفيلم الوثائقي، البطيء، والتأملي، والمزعج أحيانا، المشاهد على اتخاذ موقف المشاهد لا المتلقي.تأتي إحدى أكثر اللحظات هدوءا في الفيلم عندما تتناول آغو التوقع المستمر المفروض على مجتمعات السكان الأصليين، بالبقاء تقليديين مع التكيف مع ضغوط العصر الحديث. وكان ردها بسيطا ومباشرا: “إنه خيارنا”. هذا التصريح، الذي تم اقتباسه في تغطية الفيلم، يعيد صياغة السيادة كحق إنساني قبل أن يكون مشروع دولة.
على الرغم من أن فيلم “استعمار مزدوج” عن تجربة غرينلاند، إلا أنه يتناول حالة عالمية، ففي أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وفي أراضي السكان الأصليين حول العالم، لا يزال الاستعمار قائما كميراث، ينتقل عبر المؤسسات والعادات والصمت. ومن خلال التركيز على منطقة غالبا ما تستبعد من النقد ما بعد الاستعماري، يوسع الفيلم نطاق السؤال الأصلي له حول الاستعمار.
فيلم “استعمار مزدوج” ليس عن التشافي بالمعنى المريح، فهو لا يقدم حلولا أو وصفات طبية، أو صكوك غفران باسم الوطن، إنه يصر على تسمية الجرح ورفض السماح له بالاختفاء في طيات التاريخ.كندمن خلال صوت آغو بيتر وحضورها، يعيد “استعمار مزدوج” صياغة الاستعمار كحالة إنسانية مستمرة، تمس الجسد والروح معا.
وبذلك، تتحول السينما الوثائقية إلى مجال مفتوح للنقاش الأخلاقي، حيث تصان الذاكرة ولا يبقى الصمت اختيارا.

