Site icon العربي الأصيل

٪30 من المصريين تحت خط الفقر

لا تعكس النسبة التي أعلنتها الحكومة المصرية بأن 30 ٪ من المصريين يعيشون تحت خط الفقر، الواقع بدقة، حسب رحمة رفعت، المستشارة القانونية لدار الخدمات النقابية والعمالية.
حديث رحمة جاء خلال المنتدى العمالي الأول، الذي نظمته دار الخدمات النقابية والعمالية، مساء السبت، وشارك فيه ممثلو النقابات العمالية، وخبراء محليون ودوليون، وممثلو منظمات المجتمع المدني، وعدد من القيادات العمالية.
وتناول المنتدى أوضاع الحريات النقابية، والتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه الطبقة العاملة، وتأثير السياسات العامة، وقوانين العمل، والتغيرات المناخية، وتأثير الشركات متعددة الجنسيات على أوضاع العمال.

نضال من أجل البقاء

واستعرضت رحمة خلال المنتدى تقرير «نضال من أجل البقاء» وهو تقرير سنوي تعده الدار وينقسم إلى ثلاثة أجزاء رئيسية ترصد أوضاع العمال والانتهاكات المتعلقة بالحريات النقابية في مصر.
ولفتت إلى أن الجزء الأول يتناول الأوضاع العامة في البلاد، والجزء الثاني يركز على قانون العمل الجديد باعتباره الحدث الأبرز على الساحة العمالية، فيما يرصد الجزء الثالث الانتهاكات وردود الفعل العمالية خلال عام 2025.
وبينت أن الدار تصدر هذا التقرير سنوياً بهدف توثيق الانتهاكات وتسليط الضوء على التحديات التي تواجه العمال، في ظل أوضاع اقتصادية واجتماعية بالغة الصعوبة.
وقالت رفعت إن معدلات التضخم بلغت مستويات قياسية خلال السنوات الماضية، خاصة عقب تخفيض قيمة الجنيه، لافتة إلى أن حزمة الإنقاذ المالي في 2024، التي جاءت بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي، ساهمت في خفض المعدلات السنوية للتضخم، إلا أن التضخم التراكمي خلال الفترة من 2022 إلى 2024 وصل إلى نحو 118٪.
وأضافت أن معظم الخبراء يرون تراجعاً نسبياً في معدلات التضخم مقارنة بعام 2023، إلا أن حالة الركود لا تزال مسيطرة على قطاعات عديدة، مثل السلع المعمرة والأدوات الكهربائية، فضلاً عن الحديث المتزايد عن «الركود التضخمي» وتأثيره المباشر على الأسر المصرية.
ولفتت إلى أن أكثر من ثلث المصريين يعيشون تحت خط الفقر، وهو ما اعترف به رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، معتبرة أن هذا الاعتراف يمثل أول إقرار حكومي رسمي بحجم الأزمة، لكنها عادت وأكدت أن هذه النسبة لا تعكس الواقع بدقة. ولفتت إلى تقديرات البنك الدولي في عام 2022 إلى أن النسبة تتجاوز 32٪، قبل موجة التضخم الكبرى في 2023، مؤكدة أن التقديرات الحالية تشير إلى أن نسبة الفقراء لا تقل عن 35٪.

ارتفاع الدين الخارجي

وتابعت: التقرير بين أن الديون تلتهم ناتج عمل المواطنين وأموال دافعي الضرائب، حيث ارتفع الدين الخارجي لمصر إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو/ حزيران الماضي، ما أدخل البلاد في «دائرة جهنمية» من الاستدانة، يدفع ثمنها المواطنون، وعلى رأسهم العمال.
وأضافت أن نصيب الطبقات الشعبية من الناتج القومي يتآكل بصورة متزايدة، في ظل رفع دعم الوقود والكهرباء وتقليص دعم السلع الغذائية، إلى جانب تراجع الإنفاق على الصحة والتعليم عن النسب الدستورية، وهو ما ينعكس سلبًا على جودة حياة المواطنين.
كما أشارت إلى أن نظام التأمين الصحي الشامل أثار تذمرًا واسعًا بين العمال بسبب ارتفاع الاشتراكات مقارنة بمستوى الخدمات المقدمة، لدرجة أن بعضهم طالب بالخروج من المنظومة.

وزادت: التقرير لفت إلى أن الضرائب تمثل عبئًا متزايدًا على العمال، رغم رفع حد الإعفاء الضريبي إلى 5 آلاف جنيه شهريًا، حيث لا تزال الاستقطاعات مرتفعة، سواء في القطاع الخاص أو الحكومي، إضافة إلى الضرائب غير المباشرة مثل ضريبة القيمة المضافة البالغة 14٪.
وتطرق التقرير، حسب رحمة، إلى تطورات تشريعية مؤثرة خلال 2025، أبرزها قانون الإيجارات القديمة وقانون الإجراءات الجنائية، معتبرًا أنهما يحملان آثارًا اجتماعية خطيرة، خاصة على أصحاب المعاشات والعمال محدودي الدخل، وإلى أن الاعتراضات الواسعة على قانون الإجراءات الجنائية لم تلق استجابة حقيقية، رغم تدخل رئيس البلاد.
وواصلت: الجزء الثاني من التقرير تناول قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025، منتقدًا ما وصفه بـ«إهدار حق العمال في الأمان الوظيفي» وغياب تدرج الأجور، وتخفيض العلاوة الدورية إلى 3٪ من الأجر التأميني، وعدم معالجة ظاهرة التشغيل من الباطن، إلى جانب ضعف حماية العمالة غير المنتظمة وفرض قيود على حق الإضراب.
وفي كلمتها خلال المنتدى، دعت وفاء أسامة عبد القادر، خبيرة الأنشطة العمالية لدول شمال إفريقيا في برنامج العمل اللائق في مكتب منظمة العمل الدولية، إلى تعزيز صوت العمال داخل المجتمع، مؤكدة أن تمكينهم من التعبير عن مطالبهم وتنظيم أنفسهم يمثل ركيزة أساسية لاستقرار علاقات العمل وتحقيق العدالة الاجتماعية.
وقالت إن هناك تصورًا خاطئًا ساد لفترة طويلة، مفاده أن وجود النقابات يؤدي إلى زيادة الإضرابات والاحتجاجات، مؤكدة أن الواقع يُثبت عكس ذلك تمامًا.
وأضافت: من خلال بعض المراصد الجادة، تبيّن أن المؤسسات التي لا تضم نقابات هي الأكثر عرضة للإضرابات، لأن غياب التمثيل المنظم للعمال يتركهم بلا قنوات تفاوض حقيقية، فيلجأون إلى الاحتجاج المباشر، مشددة على أن النقابات تُعد آلية تنظيمية قادرة على امتصاص التوترات داخل أماكن العمل، وتحويلها إلى حوار منظم بدلاً من الصدام.
وأردفت أن أحد أهم محددات نجاح الحوار الاجتماعي هو وجود أطراف واضحة وممثلة بشكل حقيقي، تشمل الحكومة والعمال وأصحاب الأعمال، إلى جانب بناء الثقة المتبادلة بينهم.
ولفتت إلى أن أزمة الثقة بين هذه الأطراف تُعد من أبرز الإشكاليات في السياق المصري، وهو ما ينعكس على مشكلات تأسيس النقابات واستمرارها.
واقترحت أن تقوم النقابات بتوثيق التحديات التي واجهتها خلال مراحل التأسيس، وكذلك أثناء الممارسة اليومية، وأن تُرفع هذه التحديات في صورة شكاوى رسمية إلى الجهات المختصة، تمهيدًا لمعالجتها بشكل مؤسسي.
كما طالبت بأن يتضمن التقرير مستقبلاً قائمة موسعة بالمساحات المتاحة للمفاوضين العماليين، إلى جانب رصد أشكال الرفض التي يواجهونها، وتحليل أسبابها، واقتراح حلول عملية لها.
واختتمت بالتأكيد على ضرورة وجود قانون منظم يستجيب للتغيرات المتسارعة في سوق العمل المصري، الذي بدأ يستوعب أنماطًا جديدة من التشغيل، مثل العمل عبر المنصات الرقمية والعمل غير المنتظم والعمل المرن.
وشددت على أن تجاهل هذه التحولات يخلق فراغًا تشريعيًا، يدفع العمال إلى الهشاشة ويضعف قدرتهم على الدفاع عن حقوقهم.
وأضافت: نحن في حاجة إلى إطار قانوني حديث لا يحمي فقط شكل العمل التقليدي، بل يستوعب كل الأشكال الجديدة التي فرضها الواقع.
وجاء المنتدى في وقت تشهد فيه مصر عددا من الاحتجاجات العمالية للمطالبة بتحسين الأجور.
ونظم عمال شركة مطاحن مصر الوسطى في محافظة المنيا، وقفة احتجاجية السبت للمطالبة بتطبيق الحد الأدنى للأجور وضم العلاوات المتأخرة منذ عام 2016، فيما حضر أفراد من الشرطة وسط المحتجين محاولين تهدئتهم.
والشركة هي إحدى الشركات التابعة للشركة القابضة للصناعات الغذائية التابعة لوزارة التموين والتجارة الداخلية «مملوكة للدولة» وتعمل في تصنيع وتجارة واستيراد وتبخير وصيانة وتعبئة وتجهيز ونقل وتوزيع الحبوب ومنتجاتها وبدائلها، ولها فروع في كل من محافظات الفيوم وبني سويف وأسيوط والمنيا.

انتهاكات مستمرة

وسبق أن أدانت «المفوضية المصرية للحقوق والحريات» الانتهاكات المستمرة التي يتعرض لها عمال شركة مطاحن مصر الوسطى، وفي مقدمتها تعطيل حقوق مالية مقررة، والإخلال بضمانات الأجر العادل، وغياب آليات إنصاف فعالة.
وأكدت المفوضية على أن تطبيق الحد الأدنى للأجور يجب ألا يتحول إلى رقم شكلي يستكمل بعناصر متغيرة مثل الحوافز والبدلات بما يفرغ القرار من مضمونه الاجتماعي، ويؤدي إلى إضعاف الأجر الأساسي، والإضرار بالحقوق التأمينية، وتقليص أثر العلاوات والزيادات المستقبلية.
وفي مارس/ آذار 2024، رفعت الحكومة المصرية الحد الأدنى للأجور إلى 7 آلاف جنيه حوالي 149 دولارا.
ويبلغ حد الفقر الوطني للأسرة، المُحدَّث حسب التضخم، 7180 جنيهًا شهريًا، بينما بلغ حد الفقر المدقع، وهو القدرة على تلبية الاحتياجات الغذائية لأسرة من أربعة أفراد، 5962 جنيهًا، محدثًا لتضخم الغذاء.
وبالتالي، فإن رغم رفع الحد الأدنى إلى 7 آلاف جنيه فإنه يظل غير قادر على ملاحقة خط الفقر.

Exit mobile version