أعرب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الخميس 8 يناير/كانون الثاني، في خطابه السنوي أمام السفراء الفرنسيين، عن أسفه لأن الولايات المتحدة «تتخلى تدريجيا» عن حلفاء لها «وتتجاهل القواعد الدولية»، متحدثا عن عدوانية استعمارية جديدة متنامية في العلاقات الدبلوماسية.
ما قاله ماكرون ليس بعيدا عن الواقع، إن من جهة حديثه عن تلك العلاقة المتأرجحة داخل الحلف الغربي، وإن من ناحية «الحلم» الروسي بإعادة تركيب القارة الأوراسية بالقوة. فبين المطرقة الروسية والسندان الأميركي، تقع أوروبا أمام تنفيذ مناوراتها اليائسة قبل السقوط المروع، فهل ستنجح هذه المناورات؟
تحمل العلاقة بين الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي الكثير من القضايا «معولمة الخلاف» في العالم، على رأسها قضية مستجدة متمثلة في طلب الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضم جزيرة غرينلاند التي تخضع لحكم الدانمارك.
إضافة إلى القضية الجوهرية التي على بعد أسابيع وتحتفل بعامها الخامس، وهي الهجوم الروسي على أوكرانيا. دون أن تنسى بعض الدول الأوروبية التوسع الروسي والأميركي في القارة السمراء على حساب نفوذها هناك، وما حصل مع فرنسا في أكثر من دولة أفريقية كان نموذجا.
يجد كثير من المتابعين أن صداما عسكريا قد يقع بين الجيش الأميركي وتلك الجيوش الأوروبية المزمع «لملمة» نفسها لمواجهة الاستعمار الذي تحدث عنه ماكرون. وما كشفت عنه صحيفة «صنداي تلغراف» البريطانية قد يكون ترجمة لذلك مع «وقف التنفيذ»، بل يهدف إلى تقديم مزيد من التهويل.
إذ كتبت الصحيفة أن لندن تبحث مع دول أوروبية أخرى إمكانية إرسال قوات عسكرية إلى غرينلاند، في خطوة تهدف إلى تعزيز أمن الجزيرة والحيلولة دون محاولة أميركية لضمها.
اللافت أن لندن تدرس هذا الخيار مع أعضاء حلف شمال الأطلسي «الناتو»، في الوقت الذي تشكل فيه الولايات المتحدة عضوا رئيسيا فيه. ليس هذا وحسب، بل العضو الأقوى بحسب ما قاله الرئيس ترامب في منشور له على منصة «تروث سوشيال» الأربعاء 7 يناير/كانون الثاني، إن «روسيا والصين لا تخشيان الناتو إطلاقا من دون الولايات المتحدة»، في اعتبار واضح أن الركيزة الأساسية لهذا الحلف الذي تستعين به لندن لردع طموح الرئيس الأميركي هو الجيش الأميركي.
مناورة يائسة من قبل البريطاني، وغير مضمونة النتائج. إذ إن الأوروبي الذي لم يستطع حشد قوة عسكرية لوقف التقدم الروسي في أوكرانيا، لن يكون قادرا على فعل ذلك أمام واشنطن، في وقت يخرج فيه ترامب عن القوانين الدولية والأعراف في سبيل تحقيق ما يريده بالقوة، على اعتبار أن أخلاقيته هي من تحدد قراراته بحسب زعمه.
مناورة جديدة، على ما يبدو، لن يكتب لها النجاح. إذ تدرك الدول الأوروبية أن مواجهة واشنطن عسكريا من أجل جزيرة هي بمثابة انتحار. لهذا بدأت تعتمد أسلوب سياسة «الالتفاف» على قرارات ترامب.
فتوقيت تصريحات أكثر من زعيم أوروبي ومضمونها، يتضح أن هناك تفاهما «مقنعا» بين هذه الدول بهدف ممارسة مزيد من الضغط على ترامب لتعديل قراراته، بعدما «سلفته» في قضية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في 3 يناير/كانون الثاني الجاري.
لم يكن من باب الصدفة أن يدعو ماكرون، ورئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني، ورئيس وزراء بريطانيا كير ستارمر، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، إلى أن الوقت قد حان لفتح حوار جدي مع روسيا وإنهاء الصراع على أرض أوكرانيا.
فالتصريحات عن إعادة القنوات الحوارية مع موسكو أتت بعد الضربة التي نفذتها موسكو على أوكرانيا بصاروخ «أوريشنيك» الباليستي، ومع التصعيد الروسي ورفض أي وجود عسكري غربي في أوكرانيا، مشددة على أن أي حوار يجب أن يحاكي الإنجاز العسكري لجيشها في أوكرانيا.
مناورة لن يكتب لها النجاح، فالروسي بقيادة فلاديمير بوتين ليس على خلاف مع الأميركي برئاسة ترامب، بل إن الزعيمين يعتمدان سياسة تقديم التنازلات من أجل تحقيق المصالح الإستراتيجية لدولتيهما.
فالصمت الروسي عما حدث في فنزويلا، وعن التهديدات الأميركية عالية السقف بتنفيذ ضربات عسكرية على النظام في إيران في حال قتل المتظاهرين، هو نتيجة لسياسة واشنطن «الانسحابية» من الملف الأوكراني.
أمام الفيتو الروسي لطموحات أوروبية في أوكرانيا، التي تحاكي هاجس كييف من ضمان عدم شن روسيا هجوما مستقبلا، وتوجس أوروبي من طموحات بوتين بتوسيع رقعة النفوذ إلى العمق الأوروبي، ووسط إصرار أميركي على ضم الجزيرة باعتبارها ترتبط بأمن واشنطن القومي، بعدما أوضح ترامب أن السفن الروسية والصينية باتت على أبواب الولايات المتحدة من موانئ غرينلاند، وفي ظل صراع النفوذ المستجد في منطقة القطب الشمالي التي ستتحول إلى وجهة «الترانزيت» الدولي المستقبلي، تجد أوروبا أنها أمام ضرورة الاحتفاظ بالعلاقة مع واشنطن، ولكن من مستوى تحالف الأصدقاء لا من مستوى «التبعية» العمياء التي لعبتها منذ عام 1991 مع سقوط الاتحاد السوفياتي.
وسط هذا التوجه الأوروبي لإطلاق المناورات تجاه واشنطن، يبقى خطر إحداث «شرخ» غربي واردا، مع اعتبار ترامب أن الاتحاد الأوروبي يشكل الخطر القائم على مصالح واشنطن العليا.
لكن ما يتوجس منه الأوروبي ليس فقط خطر القضم الروسي من البوابة الشرقية، أو الأميركي من البوابة الشمالية، بل خطر التفكك داخل هذا الاتحاد، في ظل أصوات يمينية صاعدة إلى مراكز القرار في عواصم أوروبية، ومنها أعضاء في البرلمان الأوروبي، قد تنضم إلى ترامب لما يجمعها من أفكار متقاربة على مستوى القيم والتطلعات، في قضايا أساسية على رأسها الهجرة الشرعية وغير الشرعية. وهناك دول على صداقة مع روسيا، منها صربيا، التي لا يترك رئيسها مناسبة إلا ويدعو فيها إلى حوار مع روسيا.
بين هذه الأخطار يطرح السؤال نفسه: تقف أوروبا أمام قرارين أحلاهما مر، لكن المؤكد أن الاتحاد الأوروبي قبل وصول ترامب لن يكون على ما هو عليه بعد ولايته الثانية.

