اخبار تركياالأخبار

صراع داخلي محتدم في تركيا وجهود لحل القضية الكردية

2025 كان بالنسبة لتركيا عام إعادة تموضع، ففي الساحة الداخلية صعد حزب العدالة والتنمية الحاكم حدة المواجهة مع المعارضة في محاولة للحد من نفوذها السياسي المتزايد خلال فترة حساسة جداً بالنسبة لنظام الحكم الذي قد يشهد خلال العامين المقبلين انتقالاً من العهد «الاردوغاني» الذي طال 22 عاماً بين تولي الرئيس رجب طيب اردوغان رئاسة الحكومة والجمهورية مشرفاً على تحولات جذرية في نظام الحكم، والبنية المجتمعية كما في الاقتصاد، ودور تركيا على الصعيدين الإقليمي والدولي. ولم يساعد غياب الاستقرار عن المشهد السياسي التركي جهود تحقيقه في المجال الاقتصادي رغم أن نسب التضخم ما زالت تنخفض تدريجياً إلا أنها لم تصل إلى المستويات التي توقعها البنك المركزي بداية العام. وشهدت القضية الكردية تطورات كبيرة هذا العام مع إعلان حزب العمال الكردستاني حل نفسه وإلقاء السلاح استجابة لدعوة مؤسسه المسجون عبدالله أوجلان، إلا أن المسار ما زال في بداياته وقد يكون عرضة للانتكاسات خاصة مع ارتباطه بشكل وثيق بالتطورات في سوريا.
على صعيد المشهد السياسي الداخلي، يبدو الحزب الحاكم على استعداد لاستخدام جميع الأدوات المتاحة لمنع استغلال المعارضة (خاصة حزبي الشعب الجمهوري والخير) المرحلة الأخيرة من عهد اردوغان للهيمنة على السياسة التركية.
ومنحت مؤخراً وزارة الداخلية إذناً رسمياً بفتح تحقيق ضد رئيس بلدية أنقرة منصور يافاش من حزب الشعب بتهمة إساءة استخدام منصبه، في حين وافقت محكمة جنائية في إسطنبول على لائحة اتهامات غير مسبوقة ضد رئيس البلدية السابق المسجون، أكرم إمام أوغلو، تتألف من 142 تهمة منفصلة تصل إلى أكثر من ألفي عام سجن. وبرز أوغلو بعد فوزه في الانتخابات البلدية في إسطنبول عام 2019 رغم اعتراض حزب العدالة والتنمية على النتائج وإلغائها وإعادة إجرائها. كما أعيد انتخابه عام 2024 بفارق مليون صوت عن أقرب منافسيه. وبين 2019 واعتقاله في 23 آذار/مارس 2025، تحدى أوغلو زعامة حزبه الشعب الجمهوري معتبراً أنه بحاجة إلى إعادة هيكلة، خاصة بعد فوز الرئيس التركي رجب طيب اردوغان في انتخابات 2023. وكان ينظر إليه، بحكم شعبيته، أنه سيكون مرشحاً طبيعياً للانتخابات الرئاسية المقبلة. ويرى البعض أن ذلك جعل منه هدفاً للحزب الحاكم لكونه في غالب الظن سيحظى بفرصة معتبرة في السباق الرئاسي عام 2028.
لا يمكن فصل ملاحقة شخصيات معارضة بارزة عن الاستراتيجية السياسية للحزب الحاكم الذي قد يكون هدفه إبعاد منافسين قد يفوزون في الانتخابات الرئاسية القادمة التي لا يحق لاردوغان- الذي يملك شعبية واسعة قد تخوله من الفوز مجدداً- من الترشح فيها، ما يعني أن شخصية أخرى من حزبه الذي تعرض لنكسة في الانتخابات البرلمانية الماضية عام 2023 بخسارة 27 مقعداً سيضطر إلى خوض المنافسة ما سيعرض حكم حزب العدالة والتنمية للخطر. من ناحية أخرى، قد تلجأ السلطات إلى تعديل الدستور قبل موعد الانتخابات في عام 2028 ما قد يسمح لاردوغان بالدعوة لانتخابات مبكرة، وهي الوسيلة الوحيدة له للترشح مرة أخرى والبقاء في السلطة.
ركزت الحكومة على سياسات تثبيت الاقتصاد بعد سنوات شهدت تقلبات حادة ببعض جوانبها نتيجة السياسات المالية غير التقليدية للرئيس التركي والتي تمثلت بخفض الفائدة بشكل حاد بهدف خفض التضخم لاعتقاده بوجود علاقة عكسية بين الاثنتين.
وبدأ عام 2025 مع مسار تدريجي نحو خفض سعر الفائدة من جديد بعد أن رفعها البنك المركزي إلى مستويات قياسية خلال العامين الماضيين بهدف كبح التضخم. وكان سعر الفائدة في بداية العام قد وصل إلى أكثر من 45 في المئة ثم تم خفضه إلى حوالي 42.5 في المئة مع حلول شهر آذار/مارس بهدف تحريك الأسواق وزيادة السيولة في النظام المالي، حتى وصلت بحلول تشرين الأول/ أكتوبر إلى 39.5 في المئة. رغم الخفض التدريجي لأسعار الفائدة، بقي التضخم السنوي مرتفعاً نسبياً مع تقارير تشير إلى بقائه عن حوالي 33 في المئة نهاية العام مؤثراً بشكل خاص على أسعار الغذاء والسكن والتعليم وهو أكثر بحوالي 9 في المئة من النسبة التي توقعها محافظ البنك المركزي بداية العام.
ولعل أبرز أحداث العام في تركيا كان إعلان حزب العمال الكردستاني حل نفسه وإنهاء الصراع المسلح استجابة لدعوة زعيمه المسجون عبد الله أوجلان في شباط/فبراير الماضي، والذي طلب في بيان من سجنه على جزيرة إمرالي، من أعضاء الحزب وعناصره بإلقاء السلاح وحل التنظيم، داعيًا إلى الانتقال الكامل إلى العمل السياسي والديمقراطي بدلاً من العمل المسلح. استجابة لهذه الدعوة، بدأت مراحل رمزية من نزع السلاح في مناطق معينة فيما رحبت أنقرة بها واعتبرتها بداية صفحة جديدة في علاقتها بالأكراد إلا أنه لم يفض الإعلان بعد عن مسار سياسي جدي في حين تستمر الحكومة التركية في التعامل مع الملف الكردي ضمن إطار أمني. بل شهد مسار السلام في الآونة الأخيرة تباطؤًا، ففي حين تؤكد القيادة التركية أن أي تقدم محتمل يبقى قيد شروط أمنية وسياسية، يشترط حزب العمال الكردستاني إطلاق سراح أوجلان قبل الإقدام على خطوات إضافية. كما يطالب باعتراف تركيا الدستوري بحقوق الأكراد، الأمر الذي ترفضه أنقرة تماماً. ونقل مركز ستوكهولم للحرية أن الحكومة التركية تعمل أيضاً على إعداد إجراءات قانونية فردية لتقييم حالة كل عضو في حزب العمال الكردستاني على حدة بدلًا من إعلان إعفاء جماعي وذلك بموجب ما يُعرف بـ «قانون الفرصة». ويهدف هذا الإطار لتحديد وضع أعضاء الحزب القانوني بشكل فردي لـ«مراقبة عودتهم إلى المجتمع»، ما أثار نقاشات بين الخبراء القانونيين بشأن استخدام العدالة بشكل انتقائي.
في المقابل، تضغط أنقرة أيضاً على القوات الكردية في شمال سوريا المنضوية تحت قوات سوريا الديمقراطية «قسد» بالإصرار على نزع سلاحها أيضاً باعتبارها امتدادا للجناح المسلح لحزب العمال في تركيا. كما جددت، رفضها أن تنضم قوات قسد إلى الجيش السوري كوحدة بل تصر على حلها وانضمام قواتها إلى الجيش كأفراد.
ولهذا السبب وغيره، شكّل الملف السوري محورا أساسيا للسياسة الخارجية التركية منذ سقوط نظام الأسد نهاية العام الماضي، إذ تعاملت أنقرة مع الانسحاب الإيراني من سوريا على أنه فرصة تاريخية لإعادة إنتاج نفوذها في سوريا وإن زاحمتها دول الخليج على ذلك أيضاً. وسعت أنقرة منذ الأسابيع الأولى لتشكّل السلطة الانتقالية في دمشق إلى فتح قنوات مباشرة ومنتظمة معها، مقدِّمة نفسها شريكاً أساسياً في تثبيت الاستقرار وبناء مؤسسات الدولة. بطبيعة الحال، ارتبط اهتمام أنقرة بمصير سوريا بأولوياتها الأمنية والسياسية، على رأسها وحدة الأراضي السورية وذلك لمنع قيام أي كيان كردي مستقل أو شبه مستقل في الشمال الشرقي والحد من النفوذ الإسرائيلي القادم من جنوب غرب البلاد. وتقدم نفسها أنقرة كضامن محتمل لاستقرار سوريا الجديدة إذا ما أُخذت مخاوفها الأمنية على محمل الجد.
ووقّعت أنقرة في 2025 تفاهمات دفاعية مع السلطة السورية الانتقالية شملت تدريب كوادر أمنية وعسكرية، وتقديم دعم لوجستي وتسليحي محدود، بما يضمن لتركيا تأثيراً مباشراً في إعادة تشكيل الجيش والأجهزة الأمنية السورية.
كما سعت إلى ترجمة نفوذها السياسي والأمني إلى مكاسب عملية. ومع رفع العقوبات الأمريكية المرتبطة بـ«قانون قيصر» نهاية العام، فتح الباب أمام الشركات التركية للعودة إلى السوق السورية، لا سيما في قطاع العقارات والطاقة والبنية التحتية.
وفي ملف اللاجئين، الذي كان أحد أكثر الملفات حساسية في سياسة أنقرة تجاه سوريا لما يحمله من ثقل في السياسة الداخلية خاصة مع اتخاذ المعارضة اللاجئين السوريين شماعة تعلق عليها كافة الأزمات من الاقتصادية إلى الاجتماعية والأمنية، فرغم اتخاذ الحكومة موقفاً تقدمياً نسبياً حيال القضية، إلا أن نجاح المعارضة من تحويلها إلى قضية شعبوية أقنعت نسبة كبيرة من الناخبين الأتراك، فرض على الحكومة أن تكثف من جهودها لتسريع مسار «العودة الطوعية» عبر التنسيق مع السلطات السورية الجديدة لتأمين عودة تدريجية للاجئين. ورغم وجود عقبات لوجستية إلا أنه سمح ذلك للحكومة بتقديم نفسها داخلياً على أنها تمهّد لحل جذري لأزمة اللاجئين، وخارجياً على أنها لاعب أساسي في تحقيق «الاستقرار الاجتماعي» في سوريا ما بعد الحرب.

زر الذهاب إلى الأعلى