أخبار عربيةالأخبارالسودان

هل يعني تحرير العاصمة السودانية نهاية للحرب؟

نشرت مجلة “إيكونوميست” تقريرا عن استعادة القوات المسلحة السودانية العاصمة الخرطوم وبسط سيطرتها على معظمها بعد عامين من التدمير والتهجير والنهب لها من قبل جماعة الدعم السريع شبه المسلحة، بقيادة محمد حمدان دقلو، أو حميدتي. وأشارت إلى أن عودة الجيش إلى العاصمة، قد تدفعه لمواصلة المكاسب إلى دار فور التي تخضع في معظمها لسيطرة الدعم السريع، باستثناء مدينة الفاشر عاصمة غرب دار فور.

وقالت المجلة: لم تكن هذه هي الوقفة البطولية النهائية التي ربما كان زعيمهم يتصورها. في 15 آذار/ مارس، دعا محمد حمدان دقلو قواته إلى عدم الاستسلام أو التراجع. لكنهم في النهاية عصوه وفي غضون أيام من توسلات دقلو، سلمت قوات الدعم السريع السيطرة على القصر الرئاسي في الخرطوم، عاصمة السودان، للقوات المسلحة السودانية. وبحلول 26 آذار/مارس، عاد البنك المركزي والمطار الدولي إلى أيدي القوات المسلحة السودانية.

وقد شوهدت أرتال من المقاتلين المنهكين وهم يتراجعون غربا عبر آخر جسر على النيل لا يزال في قبضة قوات الدعم السريع، بينما عاد الجنرال عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش والرئيس الفعلي للسودان منذ انقلاب عام 2019، إلى العاصمة لأول مرة منذ عامين. ومحاطا بالجنود الفرحين، جاب القصر وأعلن أن الخرطوم أصبحت أخيرا حرة.

وبعد عامين من نقل الحكومة إلى بورت سودان في شرق البلاد، عاد الجيش للسيطرة على الخرطوم. ومع أن العمليات القتالية لم تنته حيث لا يزال الجيش يواجه جيوبا للمقاومة في أحياء بمدينة أم درمان، الواقعة على الضفة الغربية لنهر النيل، إلا أن السيطرة على الخرطوم تعلم مرحلة مهمة في الحرب التي قتلت عشرات الآلاف من السودانيين وشردت أكثر من 12 مليون سوداني وتسببت بأكبر كارثة إنسانية لم يشهدها العالم منذ عقود.

والسؤال فيما إن قررت القوات المسلحة السودانية مواصلة الحرب أم وقفها؟

والجواب مرتبط بالضغط من الحلفاء، فقد انتصرت القوات السودانية في ساحات المعارك في الأشهر الأخيرة، بسبب التحالف الواسع والمتنوع الذي شكلته منذ الأشهر الأولى للحرب، عندما خسرت مساحات شاسعة من البلاد، بما في ذلك معظم الخرطوم، لصالح قوات الدعم السريع، وهي التي خرجت من رحم ميليشيا الجنجويد التي روعت دارفور لعقدين من الزمن.

وتقف إلى جانب القوات السودانية اليوم دول داعمة أجنبية مثل السعودية وقطر ومصر المجاورة، التي أفادت التقارير بتقديمها دعما جويا. أما الدول الأخرى الأقل ولاء، فتشمل روسيا وتركيا وإيران، التي باعت للجيش أسلحة وطائرات بدون طيار.

وقد تضغط بعض هذه الدول على الأقل على الجنرال البرهان، الذي رفض بشدة حتى الآن محادثات السلام، مع قوات الدعم السريع. ولتحسين الصفقة، قد تعرض جهات خارجية الاعتراف بحكومة تقودها القوات المسلحة السودانية في الخرطوم والمساعدة في دفع تكاليف إعادة إعمار المدينة المدمرة.

وتحذر المجلة من أن المصالح المتضاربة بين الحلفاء المحليين والجيش قد تفسد أي صفقة، فقد جندت القوات المسلحة السودانية وحدات دفاع محلية تطوعية مؤلفة من مدنيين غاضبين من نهب قوات الدعم السريع وإرهابها للسكان الخاضعين لسيطرتها، ومن حركات التمرد من منطقة دارفور الغربية. كما قاتلت قواته إلى جانب ألوية جهادية مرتبطة بالحكومة الإسلامية السابقة لعمر البشير.

وفي مواجهة معضلة مواصلة القتال غربا نحو قاعدة قوات الدعم السريع في دارفور، أو تعزيز موقعها في الخرطوم، فإن هذا التحالف الهش قد ينقسم. وهناك أصوات بارزة في الجيش تدعو للتقدم غربا.

ويقول أمجد فريد، المحلل والمسؤول الحكومي السابق: “دارفور جزء من السودان، ولا ينبغي للقوات المسلحة السودانية تسليمها لقوات الدعم السريع”. وربما يشعر العديد من سكان دارفور أنفسهم، ولا سيما الجماعات العرقية الأفريقية التي عانت من فظائع، بما في ذلك إبادة جماعية محتملة على يد قوات الدعم السريع، بالمثل. ويقول ياسين مهاجر، الذي أجبر على الفرار من منزله في الفاشر، عاصمة المنطقة المحاصرة، العام الماضي: إن وجود المزيد من التشكيلات العسكرية في دارفور سيجبر قوات الدعم السريع على التراجع.

وقد ينتهي هذا الضغط بشكل سيئ. لقد حقق الجيش أكبر المكاسب الأخيرة في معاقله التقليدية في وسط السودان. ويحتاج الهجوم البري في دارفور إلى خطوط إمداد طويلة ومعارك على أرض قوات الدعم السريع. وبصفته قائدا خلال حرب دارفور الأولى في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تورط الجنرال البرهان بشدة في المنطقة. وحتى مع دعم الحلفاء المحليين، يمكن أن تجد قواته نفسها بسهولة في مستنقع مرة أخرى.

وتقول خلود خير من مركز “كونفلوانس أدفايزري”، وهو مركز أبحاث سوداني: “في الحقيقة، لم تنتصر القوات المسلحة السودانية في دارفور أبدا”. ومع ذلك، لا يوجد في الوقت الحالي الكثير من الحديث عن وقف إطلاق النار أو المفاوضات، على الأقل في العلن.

ومن المقلق أن القوات المسلحة السودانية تواصل قصف المدنيين، فقد أفادت التقارير أن غارة على سوق في دارفور في 24 مارس قد قتلت 54 شخصا على الأقل وجرحت العشرات. وفي الخرطوم، توجد تقارير مثيرة للقلق عن انعدام القانون. وقد انتشرت في الأيام الأخيرة مقاطع فيديو مروعة تظهر عمليات قطع رؤوس أشخاص يشتبه في تعاونهم مع قوات الدعم السريع على يد مجموعات متحالفة مع الجيش.

وبنفس الوقت لا توجد أدلة عن قبول الدعم السريع الحوار، رغم خسارة الخرطوم. ففي شباط/فبراير أعلنت عن تشكيل حكومة موازية في المناطق الخاضعة لسيطرتها. ولا يبدو أن الإمارات العربية المتحدة، الداعم الخارجي الرئيسي لها، قد توقفت عن إرسال الأسلحة إليها. وتقع جميع دول الجوار المباشر للسودان تقريبا، باستثناء مصر وإريتريا، ضمن نطاق نفوذ الإمارات. وهذا يعني أن قوات الدعم السريع ستكون قادرة على مواصلة إعادة إمداد نفسها. ويقول أليكس روندوس، الممثل الخاص السابق للاتحاد الأوروبي في منطقة القرن الأفريقي: سأكون مندهشا إذا ما استسلمت قوات الدعم السريع لهذا الوضع.

وما يهم هو أن عودة القوات السودانية للسيطرة على العاصمة، ستسهل من عمل الوكالات الإنسانية وإيصال المساعدات للمحتاجين وتخفيف حدة المجاعة والبؤس الذي يعاني منه السودانيون في المناطق الواقعة حول العاصمة، ولكن السؤال يظل قائما: هل يعني هذا نهاية الحرب، يجيب الدبلوماسي الأمريكي السابق بيتون نوف، على الأرجح لا.

بالإضافة إلى ذلك فقد كشفت استعادة الخرطوم عن حجم النهب والدمار الذي تركته قوات الدعم السريع خلفها. وقد كتبت المعلقة في صحيفة “الغارديان” نسرين مالك مقالا قالت فيه إن ما نعرفه حتى الآن يرسم صورة لمدينة مزقتها فظائع لا تصدق. وقالت إن ضحايا النزاع بين الجيش وقوات الدعم السريع بعد انهيار شراكتهما كانوا الشعب السوداني، الذين داست الحرب على حياتهم.

وتعلق أن “مركزية الخرطوم في الحرب، سواء من حيث ازدهارها أو ما تمثله لقوات الدعم السريع كمقر للسلطة، قد جعلت المدينة عرضة لحملة انتقامية شديدة: فقد استولت قوات الدعم السريع عليها، ثم شرعت في نهبها وترويع سكانها لا حكم المدينة، بل جردت المدينة من ممتلكاتها”. وقالت إن الناجين من جحيم الدعم السريع كانوا مترددين لاستقبال جنود القوات المسلحة السودانية بالجوع والعطش والمرض والخوف. وتحدثوا عن حصار من السرقة والقتل، بينما أطلقت ميليشيا قوات الدعم السريع النار على من قاوموا مطالبهم.

وما حدث في الخرطوم هو أكبر عملية نهب لمدينة أفريقية، إن لم تكن لأي عاصمة، في التاريخ الحديث. من التراث الثقافي للبلاد إلى ممتلكات شعبها، لم ينج شيء. أُفرغ المتحف الوطني السوداني، الذي يضم قطعا أثرية ثمينة من الحضارتين النوبية والفرعونية. دمر ما لم يكن بالإمكان نقله. نهبت المنازل والمحلات التجارية، وسرق كل شيء من الأثاث إلى المتعلقات الشخصية. حتى الأسلاك الكهربائية لم تسلم: نبشت وجردت لبيعها. وتظهر صور من المدينة بقايا سيارات، جميعها بعد إزالة عجلاتها ومحركاتها.

وإن حجم السطو والدمار الذي يظهر جليا يشير إلى نهاية حصار الخرطوم، كلحظة مبهجة وحزينة في آن واحد. إن التحرر من آلام الاحتلال الوحشي هو مدعاة للارتياح والاحتفال، لكن حجم الخسائر وما يتطلبه إعادة البناء، هائل ويمتد إلى أسس القدرات المادية والإدارية للمدينة. إن ترميم ليس فقط منازل الناس وسبل عيشهم، بل البنية التحتية للعاصمة نفسها، سيكون مسعى هائلا لأي بلد، ناهيك عن بلد لا يزال في خضم الحرب. ما يتضح الآن هو أن الكثير مما فقد قد ضاع إلى الأبد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

زر الذهاب إلى الأعلى